المصدر: النهار
الكاتب: أحمد محي الدين
الثلاثاء 19 أيار 2026 15:48:27
ما الذي تبقى من فكرة كرة القدم البرازيلية في نهائيات كأس العالم؟
سؤال انتشر بقوة بعد إعلان المدرب الإيطالي كارلو أنشيلوتي تشكيلة الـ"سيليساو" التي ستدافع عن إرث "سحرة السامبا" في البطولة الأهم بالنسبة إلى البرازيليين الذين احتفلوا بلقبها خمس مرات آخرها عام 2002.
الجدل حول استدعاء المهاجم نيمار دا سيلفا تسيّد النقاشات، وليس على الصعيد الفني فحسب، لكون لاعب الهلال السعودي السابق لم يعد لاعباً عادياً في الوعي البرازيلي، إذ يرونه رمزاً لمرحلة كاملة لم تحقق اللقب العالمي، واستمرت امتداداً حيّاً لفكرة "راقصي السامبا"، لذلك بدا استدعاؤه محاولة متجددة لإنقاذ صورة كاملة عن البرازيل نفسها.
المفارقة أن أنشيلوتي لا يؤمن بهذه الرومانسية، إذ يعدّ مدرباً جاء بعقلية أوروبية صافية تفكر في الفوز قبل أي شيء آخر، ولهذا بدأ منذ اللحظة الأولى بتفكيك الفكرة القديمة وهي "منتخب يتمحور حول نيمار".
تصريحاته كانت واضحة وحادة: "نيمار قد يبدأ أساسياً، قد يجلس احتياطياً، قد يشارك دقائق قليلة. لا امتيازات، لا مركز ثابتاً، لا فريق يُبنى حول لاعب واحد. هو داخل النظام مثل الجميع".
هذا التحول ليس بسيطاً، فالبرازيل لطالما عاشت القصة ذاتها في العقدين الماضيين، حين يتألق نيمار تتألق البرازيل، وحين يغيب أو يتراجع ينهار كل شيء. أنشيلوتي يريد إنهاء هذه المعادلة، لأنه يدرك أن الجسد لم يعد يتحمل، وأن منتخباً كاملاً لا يمكن أن يُبنى حول لاعب في هذه المرحلة، كما أن لا أحد في هذا الجيل يشبه نيمار.
فينيسيوس جونيور لاعب قاتل في المساحات، رافينيا مباشر وحاسم، إندريك موهبة صاعدة، لكن لا أحد منهم يملك قدرة نيمار على التحكم بإيقاع المباراة، التسلل بين الخطوط، امتصاص الضغط، وصناعة الحل عندما تُغلق كل الطرق، وإزاء هذه الخيارات يظهر منطق أنشيلوتي الحقيقي، إذ لا يعيد نيمار لأنه الأفضل بدنياً، بل لأنه يعرف أن البطولات الكبرى لا تُحسم بالجاهزية فقط، إنما بلحظة، أو تمريرة، والأهم بخبرة لاعب أنهكته الضغوط.
حل أم مجاملة؟
قد لا يكون استدعاء نيمار بعد مدة طويلة من المعاناة مع الإصابات بمثابة مجاملة، لأن أنشيلوتي لا يعمل بالعاطفة، كما أن الاستدعاء ليس حلاً، لأن نيمار الحالي لم يعد ذلك الفتى في ذروة العطاء، إنما يكشف المحللون أن المنتخب الحالي يحتاج نيمار ، لكونه فريقاً يملك كماً من المواهب الهجومية ثم يعود إلى لاعب غاب سنوات بسبب الإصابات.
استبعاد بعض الأسماء الشابة لم يكن تفصيلاً صغيراً، لكون أنشيلوتي لا يبني فريق المستقبل، بل فريق الحاضر، لا يفكر في 2030، بل في لحظة كأس العالم الآن، ولهذا عاد إلى استراتيجيته السابقة إذ سيعول على أصحاب الخبرات خوفاً من الفوضى.
أنشيلوتي يعرف أن فريقه غير مكتمل دفاعياً، لذلك يقلل الفوضى قدر الإمكان، يعرف أن المباريات الكبيرة لا ترحم، وأن البطولة لا تذهب دائماً إلى الأجمل، بل إلى الأكثر تماسكاً، لكن المشكلة أن البرازيل حين تصبح واقعية أكثر من اللازم، تفقد جزءاً من هويتها في نظر جمهورها.
اليوم تقف البرازيل بين جيلين: الأول قديم يحاول أن يعيش آخر لحظاته عبر نيمار، وآخر يقوده أنشيلوتي بعقلية صارمة.
ربما لهذا يبدو نيمار مهماً أكثر من أي وقت مضى. لأنه لا يعود كلاعب فحسب، بل كآخر شاهد على البرازيل التي عرفها العالم قبل أن تصبح كرة القدم لعبة "براغماتية" سحرها أقل وأكثر حساباً.