كيف سينعكس الإتفاق الاميركي الايراني على أسعار المحروقات في لبنان؟

بدت دول العالم وكأنها تنتظر بفارغ الصبر إعلان الاتفاق الأميركي - الإيراني لما كان للحرب من انعكاسات سلبية غير مسبوقة على الاقتصاد العالمي و أسعار النفط العالمية وارتفاع نسب التضخم، بحيث أنه فور إعلان الاتفاق هبطت على الفور أسعار النفط.

و كان قد أعلن بالأمس مسؤولون أميركيون وإيرانيون أنهم توصلوا إلى إطار عمل لإنهاء الحرب بين البلدين وإعادة فتح مضيق هرمز، وذلك في اتفاق مبدئي ، ومن المقرر توقيع مذكرة التفاهم رسميا يوم الجمعة في سويسرا.

وقد تراجعت أسعار النفط اليوم الاثنين، إلى أدنى مستوياتها منذ أذار الماضي بعد أن توصلت إيران والولايات المتحدة إلى اتفاق مبدئي لإنهاء الحرب واستئناف حركة الملاحة عبر مضيق هرمز، و انخفضت العقود الآجلة للخام الأميركي بنسبة 4.54% إلى 81.03 دولارًا للبرميل.

في هذا الإطار شرح نقيب أصحاب محطات المحروقات الدكتور جورج البراكس كيف تطورت أسعار النفط طيلة فترة الحرب وتداعيات الاتفاق  مع توقعاته لأسعار النفط للفترة المقبلة. وقال في حديث إلى "الوكالة الوطنية للإعلام : "شهدت أسواق النفط العالمية تحولات سريعة منذ اندلاع الحرب في 28 من شباط الماضي، حيث ارتفعت أسعار النفط بشكل حاد لتصل إلى نحو 126 دولارًا للبرميل، مدفوعة بإغلاق مضيق هرمز وتراجع القدرات الإنتاجية نتيجة الأضرار التي لحقت بالبنية التحتية للمنشآت النفطية في عدد من الدول المنتجة سواء في ايران او دول الخليج، غير أن المشهد بدأ يتغيّر مع إعلان الاتفاق بين الولايات المتحدة وإيران، وهو ما انعكس بصورة مباشرة على الأسعار وتوقعات الإمدادات النفطية العالمية".

ولخّص البراكس تداعيات الاتفاق على 3 محاور رئيسية: "الأثر الفوري على أسعار النفط، ومستقبل الإمدادات النفطية عبر مضيق هرمز، وانعكاسات زيادة المعروض على الأسواق الدولية خلال المرحلة المقبلة".

في ما يتعلق بالأثر المباشر، أشار إلى أن  "أسعار النفط شهدت انخفاضًا سريعًا فور إعلان الاتفاق ووقف الضربات العسكرية، فبعد أن كانت الأسعار تتراوح منذ بداية حزيران بين 93 و95 دولارًا للبرميل، تراجعت مباشرة إلى حدود 86 و87 دولارًا للبرميل" ،لافتًا إلى أن "هذا التراجع يعكس حجم القلق الذي كان يسيطر على الأسواق بسبب المخاطر الجيوسياسية، إذ إن مجرد تراجع احتمالات التصعيد العسكري أدى إلى خفض ما يعرف بعلاوة المخاطر التي كانت تضاف إلى أسعار النفط".

ووفقاً للبراكس،  فإن "تأثير الاتفاق لا يقتصر على سعر البرميل وحده، بل يمتد أيضا إلى تكاليف النقل والشحن والتأمين"، شارحًا أنه "خلال فترة التوترات ارتفعت كلفة الشحن البحري بشكل ملحوظ نتيجة المخاطر الأمنية، كما ازدادت أقساط التأمين على السفن والبضائع بنسب تراوحت بين 15 و20%، ومع عودة الملاحة الطبيعية وتراجع المخاطر العسكرية، يتوقع أن تتلاشى هذه التكاليف الإضافية تدريجيا، ما ينعكس إيجابا على حركة التجارة وأسعار الطاقة".

أما بالنسبة إلى المحور الثاني الذي يتعلق بإعادة فتح مضيق هرمز وعودة الإمدادات النفطية إلى الأسواق العالمية قال: "تشير التقديرات إلى أن ما بين 15 و20 مليون برميل يوميًا من النفط الخام والمشتقات النفطية والغاز الطبيعي ستعود إلى التدفق عبر المضيق بمجرد استئناف حركة الملاحة بشكل كامل. وهذا من شأنه أن يخفف الضغوط التي عانتها الأسواق خلال فترة الإغلاق، كما أن عددا من الدول الخليجية تأثر بشكل مباشر بإغلاق المضيق، وفي مقدمتها العراق والكويت، اللذان يعتمدان بصورة أساسية على هذا الممر البحري لتصدير إنتاجهما النفطي، وخلال فترة الحرب اضطرت هذه الدول إلى خفض مستويات الإنتاج بسبب محدودية القدرة على التصدير، ومع إعادة فتح المضيق، ستتمكن من تصريف المخزونات المتراكمة لديها وزيادة إنتاجها تدريجيا لاستعادة حصصها التقليدية في الأسواق العالمية، الأمر الذي سيعزز حجم المعروض النفطي خلال الأشهر المقبلة".

أما عن المحور الثالث الذي يتعلق بالنفط الإيراني فأوضح أن "النفط الإيراني يعدّ عاملًا مهمًا في معادلة العرض والطلب العالمية، فقد واجهت إيران خلال فترة الأزمة صعوبات كبيرة في تصدير إنتاجها نتيجة العقوبات والقيود المفروضة على حركة الشحن، ما أدى إلى تراكم كميات كبيرة من النفط في الخزانات البرية وحتى في الناقلات البحرية التي استخدمت كمستودعات عائمة. ومع تحسن الظروف السياسية والأمنية، من المتوقع أن تتدفق هذه الكميات إلى الأسواق الدولية، بالاضافة إلى احتمال زيادة الإنتاج الإيراني بهدف استعادة مستويات التصدير والحصة السوقية التي كانت تتمتع بها قبل اندلاع الحرب".

ورأى أن "هذه الكميات الإضافية لن تتجه بالكامل إلى الأسواق التجارية والاستهلاكية"، لافتًا إلى أنه "خلال فترة الأزمة لجأت الدول الأعضاء في وكالة الطاقة الدولية إلى استخدام جزء من احتياطياتها الاستراتيجية لتعويض النقص في الإمدادات، حيث ضخت أكثر من 400 مليون برميل في الأسواق. ومن المتوقع أن يذهب جزء من الإمدادات الجديدة إلى إعادة بناء هذه المخزونات الاستراتيجية التي استنزفت خلال الحرب، بل إن بعض الدول قد تسعى إلى رفع مستويات احتياطتها إلى ما يفوق ما كانت عليه سابقا تحسبا لأي اضطرابات مستقبلية أو تعثر محتمل في المفاوضات السياسية".

واعتبر أنه " على الرغم من أن عودة الإمدادات النفطية وتراجع المخاطر الجيوسياسية سيدعمان انخفاض الأسعار، فإن معظم التقديرات الدولية لا تتوقع هبوطاً حاداً في أسعار النفط خلال الفترة المقبلة". ولفت إلى أن "توقعات المؤسسات المالية العالمية تشير إلى أن أسعار البرميل ستبقى حتى نهاية العام ضمن نطاق يتراوح بين 85 و90 دولارا للبرميل، وذلك بسبب توازن مجموعة من العوامل، من بينها إعادة تكوين المخزونات الاستراتيجية واستمرار الحاجة العالمية إلى الطاقة".

على المستوى المحلي، توقّع البراكس أن "ينعكس هذا التطور إيجابًيا على أسعار المحروقات في لبنان وانخفاض أسعار البنزين والمازوت والغاز نتيجة تراجع أسعار النفط عالميًا" ، لافتاً إلى أن "الانخفاض لن يقتصر أثره على لبنان فحسب، بل سيمتد إلى مختلف الاقتصادات العالمية عبر خفض كلفة الطاقة وتراجع الضغوط التضخمية، الأمر الذي قد يسهم في تنشيط الحركة الاقتصادية والتجارية وتحسين القدرة الشرائية للمستهلكين ودعم معدلات النمو خلال الفترة المقبلة".