المصدر: المدن
الكاتب: خضر حسان
الأحد 31 أيار 2026 08:40:08
يلتصق مزارعو التبغ بالشتلة حدَّ التماهي، إذ ترتبط مراحل الزراعة بيوميات المزارعين على مدار العام، فيصعب انفكاك أحدهما عن الآخر، والموسم يسلِّم الموسم التالي، لتصبح الدائرة مكتملة. وبالرغم من المعاناة التي يعيشها المزارعون بفعل متاعب الزراعة وعدم كفاية الأسعار التي يُسَلَّم وفقها المحصول، إلاّ أنّ البقاء في الأرض وأكل لقمة من عرق الجبين، هي نتيجة مرضية. على أنّ الرضى المجبول بالتراب والمعلّق بخيطان الكتّان ورحلة تخمين الأسعار في موسم التسليم لـِ "الريجي"، يتلاشى للمرّة الثالثة بفعل الحرب. والأصعب أنّ مواسم أخرى معرّضة للاختفاء، وهو الأمر الذي يضع المزارعين أمام خوف خسارة التراخيص وخسارة المهنة، ويضع إدارة الريجي أمام امتحان صعب.
خسارة الموسم الثالث
تحت وطأة الحرب ودمارها، يفقد مزارعو التبغ من أبناء القرى الحدودية الأمل باستعادة يومياتهم مع الشتلة الخضراء، لتبقى الذكريات صلة الوصل بينهما. فمع توسّع العدوان الإسرائيلي وسياسة التدمير الشامل التي يعتمدها في القرى التي يدخلها في الجنوب، تبتعد مؤشّرات العودة إلى زراعة التبغ.
أمّا استعادة شريط الأحداث على مدى 3 مواسم، فتفضي إلى أنّ المزارعين سلّموا مواسمهم في تشرين الأول 2023، تحت القصف، بفعل تداعيات معركة إسناد غزّة التي أطلقها حزب الله في 8 تشرين الأول من ذلك العام، ليردّ العدوّ الإسرائيلي بقصف الأراضي اللبنانية، فقبع الجنوبيون في المناطق الحدودية بين النارين.
وفي تشرين الأول قبل 3 سنوات، سارعت إدارة حصر التبغ والتنباك اللبنانية "الريجي"، إلى تقديم موعد التسليم للمناطق الحدودية، واعتماد مراكز التسليم في تبنين والنبطية. فواجهَ المزارعون خطر الانتقال تحت القصف لإحضار تبغهم من القرى الحدودية إلى مراكز التلسيم.
وفي "مبادرة إنقاذية" استقبلت الريجي موسم العام 2024 بزراعة بذور التبغ في أراضٍ تابعة لها، تحضيراً لتوزيعها على مزارعي القرى الحدودية، حينما يعودون إلى قراهم. لكنَّ الحرب استمرّت واتّسعت حتّى انفجرت في أيلول 2024. وحتى أيلول 2025، كان المزارعون قد خسروا الموسم الثاني، باستثناء مَن تمكّن من استئجار أرضٍ في القرى البعيدة من الحدود، وزرعَ موسم التبغ. وفي العام 2026، يسجّل مزارعو الحدود خسارة موسمهم الثالث، مع غصّة أكبر، إثر انفلات الحرب واتّساع رقعة الدمار وانسداد أفق الحلّ. علماً أنّ الحرب الراهنة ستسجّل خسائر أكبر في مواسم التبغ، لأنَّ رحلة الدمار والتهجير تطال قرى غير حدودية.
وبغصّة كبيرة يطلق ابن بلدة عيترون عماد مواسي، العنان لذاكرته التي تقول إنّه "للسنة الثالثة لا نسلِّم ورقة تبغ واحدة من عيترون". ويذكر في حديث لـِ "المدن"، أنّه بالرغم من الخسارة السابقة "كنت أتحضّر قبل الحرب الحالية لنقل شتول التبغ من المشتل إلى الأرض". إذ إنَّ مواسي عاد إلى عيترون إثر اتفاق وقف إطلاق النار في تشرين الثاني 2024، وبقي هناك محاولاً استعادة جزء من حياته الطبيعية بالرغم من المصاعب. وقبيل إطلاق حزب الله الصواريخ الستّة معلناً بدء حرب جديدة في 2 آذار الماضي، يقول مواسي "فَلَحنا الأرض ووضعنا الأسمدة وجهّزناها لنقل الشتول إليها".
وكما تصاعدت الحرب، تصاعدت حدّة الخوف من المسقبل القاتم لزراعة التبغ في الحدود. ووفق مواسي "خسرنا بلادنا ولن نعود إليها. قد نعود إلى حدود تبنين، وقد نزرع في قرى أخرى، لكن ليس في عيترون". لا يمتهن مواسي السوداوية، لكنَّ قراءة الواقع والتحسّب لأي طارىء، أمر ضروري في أوقات المِحَن، خصوصاً وأنَّ "الناس لم تعد تدري ما يجب فعله".
محاولة التعويض
حيرة المزارعين تقابلها حيرة الريجي. فورطة الحرب ليست سهلة، وتنبّؤ اتجاهاتها وزمانها ليس يسيراً. وبالتالي، فإنّ أي إجراءات احترازية قد لا تكون كافية. كما أنَّ تصعيد موجة التدمير يشي بأنّ الحرب لن تكون قصيرة. وعليه، "تقوم إدارة الريجي بدراسة الوضع وإعداد دراسة حول كميات التبغ المزروعة وعدد المزارعين وكيفية نقل الكميات إلى بيروت في فترة التسليم"، وفق ما تؤكّده مصادر في الريجي، والتي تشير في حديث لـِ "المدن"، إلى أنَّ "مساعدة الإدارة للمزارعين لا تزال مستمرة من خلال التعويض الذي يدفع للمزارعين الذين لم يتمكّنوا من زراعة الموسم". علماً أنّ الإدارة اعطت المزارعين، حتى العام الماضي، 1.5 دولار على كل كيلو تبغ، وفق الترخيص الذي يحمله كل مزارع. والمبلغ موزّع بين 1 دولار لكل كيلو و0.5 دولار تضاف إلى السعر الرسمي المعتمد وقت التسليم.
ومع اشتداد الأزمة، أعطت الإدارة لهذا العام "سلفة بقيمة 300 دولار لكل مزارع لم يزرع الموسم". وهي بمثابة مساعدة من إدارة الريجي للمزارعين. وتلفت المصادر النظر إلى أنَّ هذه السلفة "قد تُحسَم لاحقاً من قيمة التبغ المسلَّم حين يعاود المزارعون زراعة أرضهم". إلاّ أنّ مواسي يرى هذه السلفة بأنّها "مساعدة أو هدية أو موقف إيجابي من الريجي، ويُستبعد حسمها لاحقاً".
لكن بعيداً من هذا التفصيل الصغير، فإنّ حجم إنتاج التبغ سيتراجع كثيراً بفعل الحرب. فتؤكّد المصادر أنَّ "الريجي تتوقّع تسليم ما بين 30 إلى 35 بالمئة فقط من حجم التبغ الذي استلمته العام الماضي". وهذه النسبة رهن بحصول التسليم. مع أنَّ المصادر تضع احتمال عدم التسليم إذا استمرّت الحرب على هذا النحو من التدمير. وحتّى اللحظة، لا تزال المصادر تراهن على "تسلّم التبغ من بعض قرى صور وقرى شمال الليطاني، ونقله إلى بيروت بمواكبة الجيش اللبناني واليونيفيل إذا استدعى الأمر ذلك، لأن النقل سيتم عبر شاحنات كبيرة". والمؤسف أنّ هذا التدبير يحتاج إلى موافقة العدوّ، وإلاّ ستكون شحنات التبغ عرضة للقصف. على أنّ "إدارة الريجي تدرس كل هذه الأمور وستضع آلية واضحة خلال شهر. لكن لا نعلم ما قد يحلّ بالجنوب خلال هذه الفترة".
يتحضَّر ما تبقّى من تبغ جنوبي إلى رحلة نزوح أسوة بمزارعيه، لتُكتَبَ بذلك قصّة جديدة عن التحام الشتلة بغارِسها. لكن تسليم موسم العام الجاري، سيأتي على وقع احتلال قرى وإخراج ترابها من خريطة زراعة موسم جديد. ومع احتلال المزيد من الأراضي، ستُسَجَّل خسائر إضافية في المواسم المقبلة، ما يضع المزارعين أمام "احتمال تجميد التراخيص وخسارتها بعد سنتين"، وفق مواسي، ويضع إدارة الريجي أمام "أكلاف إضافية إذا قرّرت استمرار تقديم المساعدات المالية للمزارعين من دون زراعة مواسم جديدة، وهو أمر صعب"، وفق المصادر.