التراث اللبناني تحت النار... "حجم الدمار الحالي أسوأ بكثير" من حرب الـ2024

بين قلعة الشقيف وقلعة بعلبك، وبين أسواق النبطية وبيوت الحجر القديمة في القرى المحتلة، تختزن ذاكرة أجيال متعاقبة باتت مهددة بفعل الاستهدافات المتواصلة والاعتداءات المتكررة.
 
هي أبنية تاريخية قد تبدو للوهلة الأولى مجرد حجارة صامتة، إلا أنها في الحقيقة ذاكرة جماعية شاهدة على تاريخ المجتمعات ومسارها الثقافي والاجتماعي. 
 
 وفي بلد يُصنَّف بين أكثر خمس دول في العالم من حيث كثافة المواقع الأثرية المدرجة في لائحة التراث العالمي، تكتسب مسألة حماية التراث أهمية مضاعفة، خصوصاً في ظل ما شهدته المناطق الجنوبية والحدودية من دمار واسع خلال الحرب.
 
من هنا، نظمت وزارة الثقافة فعالية "حماية التراث في زمن الحرب" في المتحف الوطني في بيروت، بهدف مناقشة سبل حماية التراث تحت النيران وصون التراث الحيّ في جنوب لبنان.
 
الذاكرة التاريخية
 
في هذا السياق، يؤكد وزير الثقافة غسان سلامة أن مفهوم التراث لا يقتصر على المواقع الأثرية المعروفة عالمياً كجبيل وبعلبك ووادي قاديشا، بل يشمل أيضاً كل ما يرتبط بالذاكرة التاريخية للبنانيين. 
 
فالسوق التقليدية في النبطية، ومكتبة البلدية في بنت جبيل، والمراكز التاريخية للقرى التي يتجاوز عمرها ثلاثة قرون، كلها أجزاء من التراث الوطني لا تقل أهمية عن المعالم المصنفة دولياً.
 ويقول سلامة لـ"النهار": "التراث المبني والحيّ ينتشران في كل هذه الأماكن، وعلينا أن نهتم بهما اليوم لإحصاء الأضرار، ونهتم بهما غداً عندما تبدأ عملية إعادة الإعمار، لكي يُعاد البناء وفق التراث المحلي الذي كان قائماً عليه".
 
وفي مواجهة المخاطر التي تهدد هذا الإرث، تعمل وزارة الثقافة على أكثر من مستوى. فمن جهة، تسعى إلى تفعيل الاتفاقيات الدولية الخاصة بحماية التراث، إذ تواصل الوزير مع أكثر من 20 وزير ثقافة حول العالم لإطلاعهم على ما يحصل ولحشد الدعم في مواجهة هذه الاعتداءات. 
 
ومن جهة أخرى، تركز الوزارة على التوثيق الميداني والتعاون مع المجتمعات المحلية.
 
 يشير سلامة إلى أن عدد المواقع اللبنانية التي تتمتع بحماية معززة ارتفع من 38 إلى نحو 70 موقعاً بالتعاون مع منظمة اليونيسكو، من خلال ما يُعرف باتفاق "الدروع الزرقاء"، التي وُضعت في هذه المواقع لسحب الذريعة من أي طرف يدّعي عدم معرفته بطبيعة الأماكن المستهدفة، إذ إن وجود هذه الإشارات يؤكد أنها مواقع تراثية محمية.
 
ولكن، هل المواثيق الدولية كفيلة بحماية التراث؟ يقرّ سلامة بأن هذه المواثيق وحدها لا تكفي لحماية التراث من الاستهداف، مشدداً على أن "الإسرائيليين يعلمون كل ذلك، ويعلمون أن القيامة ستقوم عليهم إذا اعتدوا اعتداءً مباشراً على التراث.
 
سبق أن قمنا بحملة دولية لحماية قلعة الشقيف، وهم أخذوا علماً بهذه الحملة ويعلمون أننا سنكون بالمرصاد في كل مكان إذا اعتدوا اعتداءً مباشراً على مواقع أثرية".
 
إبادة بيئية وتاريخية
 
في المقابل، تبدو المخاوف أكبر لدى العاملين في مجال حماية التراث مع اتساع حجم الأضرار التي لحقت بالجنوب. وتوضح رئيسة جمعية "بلادي" جوان فرشخ بجالي لـ"النهار" أن تقريراً صدر عام 2025 أظهر وصول نسبة الأضرار في الأبنية التاريخية خلال حرب 2024 إلى 66 في المئة، لافتة إلى أن حجم الدمار الحالي أسوأ بكثير مما سُجّل سابقاً.
 
وتشرح: "حجم الأضرار اللاحق بالأبنية التاريخية في الجنوب غيّر المصطلحات من مدمّر إلى مدمّر مجروف أو مدمّر محطّم، وصولاً إلى تحويل المبنى إلى بودرة. فالأبنية التاريخية بتكوينها هي حجر طبيعي، والقطع التي تحتويها طبيعية أيضاً، لذلك تؤدي الانفجارات العنيفة والحرارة المرتفعة إلى تفتيت الحجر وتحويله إلى بودرة".
 
 وترى أن ما تشهده القرى الجنوبية يتجاوز مفهوم الأضرار التقليدية ليصل إلى ما يُعرف عالمياً بـ"الإبادة البيئية" والإبادة التاريخية، معتبرة أن "هدف العدو من هذا الواقع في الجنوب هو محو امتداد التاريخ الحيّ الذي يفوق عمره 500 عام في المنطقة".
 
ورغم حجم الخسائر، لا يزال إمكان استعادة جزء من هذا الإرث قائما. فالتجارب العالمية التي أعقبت الحروب الكبرى أثبتت أن إعادة إعمار الأبنية التاريخية ممكنة عندما تكون جزءاً أساسياً من خطط التعافي.
 
لذا، تركز جمعية "بلادي" ضمن مشروع "جهوزية"، بالتعاون مع وزارة الثقافة وفوج الأشغال المستقل في الجيش اللبناني والدفاع المدني والمجتمعات المحلية، على توثيق الأبنية التاريخية وتدريب المؤسسات والمجتمعات المحلية على حماية الإرث الثقافي ورصد الأضرار التي تصيبه خلال الحروب. في المحصلة، حماية الحجر جزء لا يتجزأ من حماية البشر، ولا تبدو معركة حماية التراث معركة دفاع عن مبانٍ قديمة فحسب، بل معركة دفاع عن الذاكرة والهوية والانتماء. 
 
فحين يُدمَّر التراث، لا يُفقد جزء من الماضي فقط، بل يُستهدف أيضاً حق الأجيال المقبلة في معرفة قصتها وفهم جذورها والحفاظ على الرابط الذي يجمعها بأرضها وتاريخها.