التعديل الحكومي يتراجع وحسابات المرحلة تجمّد تبديل الوزراء

بعد أيام قليلة على تجدد الثقة بحكومة نواف سلام، عاد الحديث عن تعديل وزاري ليحتل واجهة المشهد السياسي، قبل أن يبدأ بالتراجع أمام حسابات أكثر تعقيداً من مجرد تبديل أسماء. فبين اعتراضات على أداء عدد من الوزراء واستياء قوى سياسية من حجم تمثيلها، تبدو الخلاصة الحالية أن لا مصلحة لأي طرف في فتح معركة حكومية جديدة في هذه المرحلة.

وتشير معلومات متقاطعة لـ"النهار" من كواليس المقار الرئاسية والسياسية إلى أن الحديث عن تعديل وزاري الذي تصاعد بقوة في أعقاب جلسة مناقشة الحكومة في مجلس النواب، بدأ يتراجع بوضوح، بعدما خلصت الاتصالات السياسية إلى أن الظروف الداخلية والإقليمية لا تسمح حالياً بإحداث خضة داخل السلطة التنفيذية.

وبحسب مصادر مقربة من قصر بعبدا، فإن الحسابات السياسية اللبنانية والإقليمية لا تشجع على فتح الملف في هذه المرحلة، ما يعني أن الحكومة باقية بتركيبتها الحالية في المدى المنظور، وإن بقيت الاعتراضات على أداء بعض الوزراء وعلى طريقة تمثيل بعض القوى قائمة.

استياء رئاسي وحزبي... 
برز طرح التعديل بقوة بعد جلسة الثقة التي انتهت بإعطاء الحكومة ثقة 68 نائباً، في مقابل 12 حجبوها وامتناع نائبين. وعلى رغم أن النتيجة شكلت غطاءً نيابياً واضحاً لاستمرار الحكومة، كشف النقاش النيابي حجم الاعتراض على أداء عدد من الوزراء، وأعاد فتح ملف تبديل بعض الأسماء. وسرعان ما انتشرت معلومات عن وزراء مرشحين للخروج وبدلاء محتملين، الأمر الذي أحدث ارتباكاً في الحكومة وبين القوى السياسية التي ينتمي إليها الوزراء المعنيون.

والمفارقة أن ملاحظات الرئاستين الأولى والثالثة على أداء بعض الوزراء ليست جديدة. فالمعطيات المتداولة تشير إلى أن رئيس الحكومة لديه تحفظات عن أداء وزراء محسوبين عليه، فيما لدى رئيس الجمهوريةجوزف عونملاحظات بدوره على أداء وزراء من حصته، مع حديث سابق عن إمكان إعادة النظر في بعض الأسماء.

توازيا، برز اسم وزير الطاقة جو الصدي في النقاش على خلفية أزمة الكهرباء، إلا أن أوساط "القوات اللبنانية" تؤكد أن استبداله ليس مطروحاً، وأن المقصود من الضغط هو وضع الجميع أمام مسؤولياتهم في معالجة الملفات الحيوية، لا التخلي عن الوزير.

كذلك طُرحت أسماء أخرى في الكواليس، بينها وزراء الخارجية والسياحة والبيئة والاتصالات، لكن أيّ لائحة نهائية لم تثبت، فيما بقيت مواقف القوى السياسية من المسألة متفاوتة. وفي المقابل، لم تبدِ القوى الأساسية، وفي مقدمها "الثنائي الشيعي"، حماسة لفتح باب التعديل على مصراعيه، نظراً إلى ما يمكن أن يستتبعه من إعادة بحث في التوازنات والحصص الوزارية.

كلفة التعديل أعلى من فائدته
مصادر سياسية مواكبة ترى أن المشكلة لم تعد في أسماء يُراد تغييرها، بل في كلفة فتح هذا الباب. فأيّ تعديل محدود قد يستدعي مطالب مقابلة من قوى أخرى، وقد يتحول سريعاً إلى إعادة تفاوض على تمثيل القوى داخل الحكومة، فيما البلاد أمام ملفات أكبر بكثير من أن تحتمل أزمة سياسية إضافية.

وتزداد حساسية التوقيت مع وجود رئيس الحكومة في نيويورك ومشاركته في الاتصالات الدولية، ومع استمرار البحث في ملفات الجنوب والسلاح وإعادة الإعمار والعلاقات الخارجية والإصلاحات المالية. وفي هذا السياق، تبدو الأولوية السياسية لدى مراكز القرار للحفاظ على استمرارية الحكومة وقدرتها على إدارة المرحلة، لا الدخول في مسار تبديل قد يستغرق أسابيع ويعيد إنتاج الخلافات التي رافقت تشكيلها.

وعليه، فإن الحديث عن تعديل وزاري لم يسقط بسبب انتفاء الاستياء من بعض الوزراء، بل لأن الحسابات السياسية التي تحكم المرحلة جعلت كلفة التعديل أعلى من فائدته في الوقت الراهن. فالحكومة، وفق المعطيات الحالية، ستستمر كما هي، فيما تبقى ملفات الوزراء وأداؤهم تحت المجهر، وقد يعود البحث في التغيير عندما تسمح الظروف السياسية بذلك.