"الثالث ثابت"؟

بعدما دخل لبنان الشهر الثالث من حرب إسناد إيران، هل يكون "الثالث ثابتًا"؟

مع امتداد أمد المواجهة، يبرز سؤال رمزي وسياسي في آن: هل يكون "الشهر الثالث" هو الحاسم، على قاعدة المقولة الشعبية "الثالثة ثابتة"؟ أم أن الحرب مرشحة لمزيد من الأشهر؟

في القراءة الواقعية، لا تخضع الحروب لمنطق الأمثال بقدر ما تخضع لتوازنات القوى ومصالحها، ومع ذلك، فإن بلوغ الشهر الثالث يحمل دلالات مهمّة، أولاها أن المرحلة الأولى من الاشتباك، التي غالبًا ما تكون اختبارًا للقدرات، قد انتهت، وثانيتها أن كلفة الاستمرار بدأت تتضح، سواء على مستوى الخسائر البشرية، أو الضغط الاقتصادي، أو تآكل البيئة الحاضنة.

على المستوى اللبناني، تزداد الضغوط مع استمرار التوتر على الحدود وتداعياته على الاقتصاد الهش أصلا، فكلّ يوم إضافيّ من التصعيد يعني مزيدًا من النزف في قطاعات حيوية، فضلا عن مخاطر التهجير وتوسّع رقعة الدمار، ومع مرور الوقت، يصبح السؤال الداخليّ أكثر إلحاحًا: ما الجدوى من الاستمرار، وما حدود القدرة على الاحتمال؟

إقليميًا، ترتبط هذه الحرب بحسابات أوسع تتجاوز لبنان. فهي جزء من شبكة توازنات بين قوى إقليمية ودولية، حيث يُستخدم التصعيد المحدود كأداة ضغط متبادلة، دون الانزلاق إلى حرب شاملة. لكن هذه المعادلة تبقى هشة، إذ يمكن لأي خطأ في الحسابات أن يغيّر قواعد اللعبة.

أمّا على مستوى الطرف الذي يقود هذا المسار، فهناك معادلة دقيقة بين الحفاظ على صورة الردع وعدم الانجرار إلى مواجهة مفتوحة قد تكون كلفتها باهظة. ومع دخول الشهر الثالث، قد تبرز الحاجة إلى "إنجاز سياسي" يُقدَّم كتبرير لإنهاء التصعيد، سواء عبر تثبيت قواعد اشتباك جديدة أو تحقيق مكاسب رمزية.

فهل يكون الشهر الثالث هو الأخير؟ الجواب مرتبط بعدّة شروط:

أوّلا، وجود إرادة دولية وإقليمية لاحتواء التصعيد، عبر قنوات دبلوماسية تضغط باتجاه التهدئة. فكلّما ازدادت المخاوف من توسّع الحرب، ارتفع مستوى التدخل لفرض وقف غير معلن لإطلاق النار.

ثانيًا، تبلور قناعة لدى الأطراف بأن كلفة الاستمرار تفوق مكاسب التصعيد.

ثالثًا، توفير مخرج سياسيّ، فالحروب لا تنتهي فقط بالانتصار أو الهزيمة.

رابعًا، ضبط الإيقاع الميداني ومنع الانزلاق إلى مواجهة أوسع. فإذا بقيت الاشتباكات ضمن حدود معينة، يصبح إنهاؤها أسهل، أما إذا خرجت عن السيطرة، فقد تدخل مرحلة جديدة يصعب احتواؤها.

قد يحمل الشهر الثالث فرصة حقيقية لإنهاء هذه الحرب، لكن ذلك ليس حتميًا. فـ "الثالثة ثابتة" قد تنطبق في السياسة فقط عندما تتقاطع المصالح وتتوفر شروط التسوية، أما في غياب ذلك، فقد يتحوّل الشهر الثالث إلى مجرّد محطة في حرب أطول، مفتوحة على احتمالات أكثر تعقيدًا.