المصدر: وكالة الأنباء المركزية
الكاتب: جوانا فرحات
الاثنين 12 كانون الثاني 2026 16:47:24
"إيران بركان يغلي" وليس في هذه العبارات مبالغة. فالشارع الذي كان مسرح جولات قتال وعنف ضد المتظاهرين والمطالبين "بإسقاط الديكتاتور" بات ساحة مقسومة على نفسها مع التظاهرة المليونية التي اكتسحت شوارع طهران اليوم تلبية لنداء المرشد الأعلى وهتفت بحياته وبإسم الثورة الإسلامية. فماذا تغيّر في الشارع بعد نزول مؤيدي النظام في مواجهة المعارضين؟
مصادر ملمّة بالشأن الإيراني أوضحت لـ"المركزية" أن " الشارع الإيراني لم يعد ساحة مواجهة بين سلطة ومتظاهرين فحسب، بل تحوّل إلى مساحة صدام بين الإيرانيين أنفسهم. وبعدما كان يتم تظهيرالإحتجاجات داخلياً وخارجياً على أنها مواجهة مباشرة بين شارع ناقم ونظام سياسي متماسك،اليوم تغيّرهذا المشهد. فنزول مؤيدين للنظام إلى الشارع، سواء بدافع أيديولوجي أو بدافع الخوف من الانهيار، كسر الصورة التقليدية للاحتجاج، وأظهر أن المجتمع الإيراني يعيش حالة استقطاب حاد لم تعد السلطة وحدها طرفه المقابل. وهذا التحول ينقل الأزمة من مستوى سياسي قابل للاحتواء الأمني، إلى مستوى اجتماعي مفتوح على احتمالات أكثر خطورة".
استخدام الشارع المؤيد كأداة مواجهة يشي بقلق عميق داخل النظام من اتساع رقعة الاحتجاجات. وتضيف المصادر"مشهد المؤيدين للنظام الذين نزلوا للتظاهر في وجه المعارضين يحمل رسالة واضحة مفادها أن النظام لا يتكل على"رصاص" الأمن وحسب فهو لا يزال يمتلك قاعدة شعبية مستعدة للدفاع عنه في الشارع. لكن في المقابل ثمة شارع معارض وقد لمس تحولاً خطيرا كونه يشكل منعطفا نفسياً وسياسياً. فقد أدرك المعارضون للنظام الإيراني اليوم أن المواجهة لم تعد مع أجهزة الدولة فقط، بل مع مواطنين آخرين، ما يرفع منسوب التوتر ويقلّص هامش المناورة، كما يضعف الطابع الجامع للاحتجاجات، ويجعلها عرضة للتشظي والتصنيف بين "موالاة" و"معارضة"، بعدما انطلقت كحركة احتجاج عابرة للانتماءات. وقد يدفع هذا الواقع جزءاً من المعارضين إلى التشدد، انطلاقاً من قناعة بأن الصراع بات وجودياً لا إصلاحياً".
ما تغيّر في الشارع الإيراني ليس حجم الغضب فقط، بل طبيعته مع تحول الصراع بين سلطة ومعارضة، إلى رؤيتين لإيران نفسها. وفي مثل هذا النوع من الصراعات لا تكون السيطرة الأمنية كافية، ولا عامل الوقت في مصلحة أي طرف. ومع تصاعد الاحتجاجات، يعود السؤال المتداول في الأوساط السياسية كما الشعبية إلى الواجهة: هل تتدخل الولايات المتحدة لحسم المواجهة لصالح المعارضة؟ وما الذي ينتظر المرشد الأعلى علي خامنئي في حال استمرار اهتزاز الداخل؟
"الجواب أكثر تعقيداً مما يتمنى المعارضون أو يخشاه النظام، تقول المصادر. فعلى رغم الخطاب الأميركي المتشدد تجاه طهران، لا مؤشرات جدية على وجود نية لدى واشنطن للتدخل المباشر لإسقاط النظام. والتجربة الأميركية في الشرق الأوسط، من العراق إلى أفغانستان، جعلت صنّاع القرار أكثر حذراً من الانخراط في سيناريوهات تغيير أنظمة معقدة في مجتمعات متماسكة أمنياً وعقائدياً مثل إيران.
وتلفت المصادر الى أن هناك " ثلاثة اعتبارات أساسية تكبح أي تدخل أميركي مباشر وهي: غياب قيادة معارضة موحّدة قادرة على الإمساك بالسلطة، والخوف من الفوضى الإقليمية إذا انهارت إيران فجأة، والملف النووي الذي تضعه واشنطن في أولوياتها وترى أن الاحتواء أفضل من المغامرة ".
يبقى مصير خامنئي داخل إيران وخارجها. حتى اللحظة، لا يبدو أن مصير مرشد الثورة الإيرانية مهدد بالسقوط وذلك استناداً إلى كونه محاطاً بشبكة أمنية وعسكرية متماسكة، وبدعم مؤسسات دينية وسياسية بُنيت على مدى عقود، وبقاعدة إجتماعية، وإن كانت أضيق من السابق. لكن الجديد أن صورته كمرجعية جامعة تآكلت حتى داخل النظام، إذ بدأ النقاش يدور حول مرحلة ما بعد خامنئي، لا حول بقائه. والسيناريو المرجّح هو الاستمرار على هذه الوضعية المتفجرة في الشارع الإيراني مع تشدد أمني أكبر وإضعاف الاحتجاجات من دون القضاء على أسبابها.
ولا تستبعد المصادر أن يصار إلى عملية انتقال للسلطة، لكن بشكل منضبط داخل النظام والبدء بعملية تحضير هادئ لمرحلة ما بعد خامنئي، من دون سقوط النظام. يبقى السيناريو الأخطر لكنه لا يزال مستبعداً ما لم يحصل انقسام داخل المؤسسة الأمنية".
وسواء بقي النظام الإيراني أو سقط، فإن لبنان لن يكون بمنأى عن التداعيات وسيكون كما العادة الخاصرة الأضعف في مواجهة اهتزازات التغيير في الأنظمة. "ففي سيناريو البقاء، سيبقى البلد رهينة معادلات إقليمية متوترة. وفي سيناريو السقوط، قد يجد نفسه أمام فراغ دعم استراتيجي لقوى نافذة، ما يفتح الباب أمام صراعات داخلية أو تدخلات خارجية جديدة".
وعلى الصعيد الإقليمي ترى المصادرأن القوى الكبرى لا ترغب بسقوط مفاجئ للنظام الإيراني، بقدر ما تخشى فوضى ما بعد السقوط. لذلك، تميل واشنطن وحلفاؤها إلى إدارة الأزمة لا تفجيرها، فيما تراهن طهران على الصمود واستنزاف خصومها. لكن الشارع الإيراني، الذي كسر حاجز الخوف، فرض معادلة جديدة: لا استقرار بعد اليوم ولا بقاء من دون أثمان".
وتختم" ، وما بين رهان الشارع على تآكل الديكتاتورية وسقوطها تلقائياً، والنظام على تعب المعارضين وانكفائهم، تبقى إيران على فوهة بركان يُستبعد أن ينفجر دفعة واحدة، لكنه لن يبرد ويهدأ أيضاً".