الجامعات ترفع أقساطها: الطلاب مضطرون للعمل أو البحث عن منحة

قبل خمس سنوات، دخل رواد قعدان إلى الجامعة العربية في بيروت (BAU) لدراسة هندسة الاتصالات، واضعاً في حساباته كلفة جامعية تقارب 4 آلاف دولار للفصل الدراسي، مقابل نحو 17 أو 18 رصيداً. اليوم، يقف أمام فاتورة 6300 دولار لـ18 رصيداً في الفصل الواحد.

الفرق ليس بسيطاً بالنسبة إلى طالب لا يعمل حالياً وتعتمد دراسته على قدرة عائلته على الدفع. يقول قعدان: "كلما عم نمشي لقدام، كلما عم تغلى الأقساط". ولا تتوقف الكلفة عند القسط، إذ تضاف إليها متطلبات مرتبطة بالاعتماد والشهادة، فضلاً عن المعدات التي يضطر طلاب الهندسة إلى شرائها على نفقتهم الخاصة لتنفيذ مشاريع التخرج.

ويحاول قعدان تعويض جزء من هذا العبء عبر الحصول على منحة جامعية. الحفاظ على معدل جيد بالنسبة إليه لم يعد مسألة أكاديمية فقط، بل وسيلة للمساهمة في تخفيف الكلفة عن عائلته، خصوصاً أن شقيقته دخلت الجامعة أيضاً.

 

من القسط إلى العمل... ثم السكن

بالنسبة إلى طلاب آخرين، لم يعد الحصول على المساعدة المالية كافياً، إذ أصبح العمل جزءاً من المعادلة التي تسمح لهم بالبقاء في الجامعة.

مريم غندور، الطالبة في الجامعة الأميركية في بيروت (AUB)، تعمل حالياً لتأمين نصف قسطها، بينما يتكفل أهلها بالنصف الآخر. تقول إن كلفة الجامعة مرتفعة جداً من دون مساعدة مالية أو منحة، ولذلك اختارت أن تعمل لتساهم في تأمين مصاريف دراستها.

وتدرس غندور برنامجاً في التسويق وبناء العلامات التجارية باستخدام الذكاء الاصطناعي، وهو برنامج تقول إنه لا يتوافر في لبنان إلا في الجامعة الأميركية، ما يجعل خيارها مرتبطاً أيضاً بعدم وجود بديل مشابه بالنسبة إليها.

يارا أبو علي، طالبة السنة الثانية في الصحافة في الجامعة اللبنانية الأميركية (LAU)، تواجه زيادة بنسبة 5 في المئة على كلفة كل رصيد مقارنة بالعام الماضي. ومع إلزام الطالب بتسجيل ما لا يقل عن 15 رصيداً في الفصل، تصل كلفة دراستها، بحسب تقديرها، إلى نحو 11 ألف دولار سنوياً.

تحصل أبو علي على بعض المساعدات من الجامعة، كما تعمل داخلها لتحصل على حسم بنسبة 10 في المئة من قيمة القسط. تعمل من الثامنة صباحاً حتى الخامسة مساءً، في محاولة للجمع بين الدراسة والعمل.

ولا يتوقف الأمر عند ذلك. فالطالبة أبو علي من منطقة الشوف، ما يجعل العودة يومياً إلى منزل العائلة صعبة مع هذا الدوام، فاضطرت إلى السكن في "دورم" الجامعة. وهكذا، لا يعود الطالب أمام قسط جامعي فقط، بل أمام فاتورة موازية تشمل السكن والنقل والمصاريف اليومية.

تقول أبو علي إن المشكلة تكمن أيضاً في غياب أي ضمانة بأن تبقى الأقساط على حالها في السنوات المقبلة، متوقعة أن تستمر الزيادات. بالنسبة إليها، "ليس كل تلميذ قادراً" على أن يتحمل قسطاً مرتفعاً وسكناً ومصاريف إضافية، ولا يمكن افتراض أن جميع الطلاب يملكون القدرة نفسها على مواجهة هذه الأعباء.

 

"لو كنت أعرف... لما دخلت الجامعة"

في الجامعة اليسوعية (USJ)، أثّرت زيادة الأقساط على الطلاب الذين أمضوا سنوات داخل الجامعة وبنوا خياراتهم على أساس كلفة مختلفة في السنوات السابقة.

إميليو علّيّة، طالب الحقوق في سنته الرابعة والأخيرة، يقول إن كلفة كلية الحقوق ارتفعت منذ السنة الأولى وحتى اليوم بنسبة 14 في المئة.

عندما دخل الجامعة، توجه إلى قسم المساعدات المالية، كما يفعل طلاب كثيرون، وكان يعرف قيمة القسط في حينها. لكنه لم يتوقع أن ترتفع الكلفة بهذا الشكل هذه السنة.

"لو كنت أعلم أن الزودة على القسط سترتفع بهذا الشكل، ما كنت تسجّلت باليسوعية"، يقول إيميليو، مستعيداً القرار الذي اتخذه قبل سنوات على أساس ميزانية وظروف لم تعد موجودة اليوم.

المشكلة بالنسبة إليه لا تتعلق بالزيادة وحدها، بل بتوقيتها أيضاً. فهو في سنته الأخيرة، ولم يعد تغيير الجامعة أو إعادة بناء خطته الدراسية خياراً سهلاً. وفي الوقت نفسه، هناك طلاب يواجهون أعباء إضافية مرتبطة بالنقل، فضلاً عن الغرامات التي تفرض عند التأخر في دفع الأقساط.

ويرى إيميليو أن الزيادات، إذا كانت لا بد منها، يجب ألا تطال بالطريقة نفسها الطلاب الذين بدأوا دراستهم قبل سنوات، بعدما دخلوا الجامعة على أساس أقساط محددة، بل الطلاب الجدد الذين يدخلون السنة الأولى ويمكنهم اتخاذ قرارهم في ضوء الكلفة الجديدة.

 

الأزمة الاقتصادية لم تنتهِ... والتسهيلات تتراجع

المفارقة التي يلفت إليها الطلاب أن بعض الإجراءات التي ظهرت خلال سنوات الأزمة الاقتصادية لم تعد موجودة بالشكل نفسه، رغم أن الظروف التي دفعت إلى اعتمادها لم تنتهِ.

فالتسهيلات التي كانت تسمح بتقسيم الفواتير وتأجيل الدفع أو تخفيف بعض الأعباء جاءت أساساً استجابة للأزمة. أما اليوم، فيرى الطلاب أن العودة عن بعض هذه الإجراءات، وخصوصاً مع استمرار ارتفاع الأقساط، تزيد الضغط عليهم.

ويشير إيميليو أيضاً إلى غرامات التأخير، التي تحوّل التأخر في دفع القسط، في بعض الحالات، إلى كلفة إضافية على الطالب الذي يعجز أصلاً عن تأمين المبلغ الأساسي.

وفي المقابل، لا يغفل الطلاب عن أن الجامعات نفسها تواجه أكلافاً ومتطلبات، ولا سيما ما يتعلق بالبنية التحتية والاعتماد والتطوير وإعادة الترميم. لكن السؤال بالنسبة إليهم يبقى حول كيفية توزيع الأولويات، وما إذا كانت المساعدات التي تصل إلى الجامعات يمكن أن تنعكس بصورة أكبر على الطلاب وموازناتهم.

فبين طالب يحاول رفع معدله كي يحصل على منحة، وطالبة تعمل لتدفع نصف قسطها، وأخرى تجمع بين الدراسة والعمل وتسكن في الجامعة، وطالب في سنته الأخيرة يجد نفسه أمام زيادة تراكمية لم تكن في حساباته، تتحول الأقساط الجامعية من بند مالي في ميزانية العائلة إلى عامل قد يحدد قدرة الطالب على الاستمرار في التعليم.

وبذلك، لا تعود أزمة التعليم في لبنان مرتبطة بالسؤال عن القدرة على تسجيل الطالب في الجامعة فقط، بل عن قدرته على دفع كلفة السنوات التي تفصله عن التخرج.