المصدر: Kataeb.org
الكاتب: زخيا زغيب
الثلاثاء 21 نيسان 2026 13:18:27
الجنوب اليوم ليس منطقة متضرّرة بانتظار ورشة ترميم، بل أرض مدمّرة بالكامل تحتاج إلى إعادة تأسيس من الصفر. ما رآه الأهالي بعد عودتهم الأولى لم يكن بيوتًا مهدّمة فقط، بل غيابًا كاملاً لكل ما يجعل الحياة ممكنة: لا كهرباء، لا مياه، لا طرقات، ولا حتى حدود واضحة للأراضي. هناك قرى تحتاج إلى إعادة مسح عقاري لتحديد أين تبدأ أملاك الناس وأين تنتهي. نحن أمام جغرافيا تغيّرت، لا مجرد أبنية سقطت.
بهذا الحجم من الانهيار، الحديث عن أشهر أو حتى سنوات قليلة ليس واقعيًا. المسار الفعلي، إذا بدأ، يمتد لسنوات طويلة، وربما لعقود. لأن ما يُبنى ليس جدرانًا، بل شبكة حياة كاملة: بنى تحتية، خدمات، تنظيم مدن، وإعادة تثبيت الناس في أرض فقدت شكلها السابق.
لكن المشكلة الأكبر ليست هنا.
المشكلة أن هذا المسار لم يبدأ أصلاً، ولن يبدأ، طالما الشرط الأساسي غير متوافر.
الأموال لا تأتي إلى مناطق مفتوحة على أي احتمال أمني. الجهات الدولية لا تستثمر في بيئة غير مستقرة. الشركات لا تعمل حيث القرار السيادي غير محسوم. هذه ليست تحليلات، بل قواعد ثابتة. والاستنتاج واضح: لا إعادة إعمار جدية من دون استقرار كامل، ولا استقرار من دون حصر السلاح بيد الدولة.
كل تأخير في هذا القرار ليس تفصيلاً سياسيًا، بل وقت إضافي يُضاف إلى معاناة الناس. كل يوم يمرّ بلا حسم، يعني عمليًا تمديد سنوات الانتظار. لأن الإعمار نفسه طويل، فكيف إذا كان انطلاقه مؤجلاً أصلاً؟
هنا تتبدّل الصورة بالكامل:
النازحون اليوم لا يواجهون فقط آثار الحرب، بل يواجهون واقعًا جديدًا حيث مصير عودتهم لم يعد مرتبطًا بقدرتهم على الصمود، بل بقرار سياسي وأمني بيد قياداتهم أولًا والدولة ثانيًا، والأكيد أنه خارج عن إرادتهم. موعد رجوعهم إلى بيوتهم لم يعد مسألة وقت طبيعي، بل أصبح رهينة خيار واضح: إما فتح الطريق أمام الاستقرار، أو إبقاء الجنوب معلّقًا.
القضية لم تعد تحتمل تجميلًا أو شعارات. هناك ناس خرجت من بيوتها على أمل العودة، فإذا بها تدخل في انتظار مفتوح. وكل إصرار على إبقاء الوضع كما هو، يعني ببساطة إبقاء هؤلاء الناس خارج أرضهم لسنوات إضافية.
في لحظة كهذه، يصبح السؤال مباشرًا وقاسيًا:
هل الأولوية هي عودة الناس، أم الإبقاء على واقع يؤخّر هذه العودة؟
لأن الحقيقة التي لم تعد قابلة للالتفاف بسيطة:
كلما تأخّر حسم ملف السلاح، تأخّرت معه إعادة الإعمار، وابتعدت أكثر لحظة عودة الناس إلى بيوتهم.