الجنوب بين الانتخابات الإسرائيلية والأميركية: سباق مع الوقت لمنع الفراغ

يدخل لبنان والمنطقة مرحلة شديدة الحساسية، تتقاطع فيها ثلاثة استحقاقات: الانتخابات الإسرائيلية المقررة في ٢٧ تشرين الأول/أكتوبر، والانتخابات النصفية الأميركية في ٣ تشرين الثاني/نوفمبر، وانتهاء ولاية قوة الأمم المتحدة الموقتة في لبنان "اليونيفيل" في ٣١ كانون الأول/ديسمبر. ويزيد تزامن هذه المواعيد المخاوف من أن يتحول جنوب لبنان إلى ساحة اختبار للمعادلات الأمنية والسياسية الجديدة، في وقت لم تنجح فيه المفاوضات اللبنانية ـ الإسرائيلية في تثبيت ترتيبات نهائية تعزز الأمن والاستقرار على جانبي الحدود.


المسألة الأكثر إلحاحاً ليست فقط احتمال اندلاع حرب جديدة، وإنما منع تحول التصعيد المحدود إلى واقع دائم. فالجنوب يعيش أصلاً وضعاً عسكرياً هشاً، وسط استمرار العمليات الإسرائيلية والوجود الإسرائيلي في مواقع داخل الأراضي اللبنانية، فيما لا تزال قضايا الانسحاب الإسرائيلي والترتيبات الأمنية ومستقبل تطبيق القرار ١٧٠١ موضع تفاوض.

العامل الأمني أكثر حضوراً

مع اقتراب الانتخابات الإسرائيلية، يصبح العامل الأمني أكثر حضوراً في الحسابات السياسية الداخلية. ولا يعني ذلك أن أيّ تصعيد سيكون انتخابياً في دوافعه، إذ إن إسرائيل تطرح اعتبارات أمنية مرتبطة بمنع عودة التهديدات إلى شمالها. لكن اقتراب الاستحقاق يضيف عاملاً سياسياً إلى الحسابات، ويزيد المخاوف اللبنانية من احتمال رفع مستوى العمليات العسكرية قبل 27 تشرين الأول.

وقد يأخذ ذلك شكل تكثيف الضربات، وتوسيع بنك الأهداف، وتنفيذ عمليات برية محدودة أو تثبيت وقائع ميدانية جديدة يمكن استخدامها لاحقاً في المفاوضات. هذا السيناريو يختلف عن قرار شن حرب شاملة، لكنه قد يؤدي إلى تغيير قواعد الاشتباك تدريجاً.

في المقابل، تدرك إسرائيل أن عملية عسكرية واسعة قد تفتح مساراً يصعب التحكم فيه، وتعيدها إلى مواجهة مفتوحة مع "حزب الله" وتضع الولايات المتحدة أمام ضرورة التدخل المباشر لاحتواء الأزمة. لذلك يبقى السيناريو الأكثر حساسية هو التصعيد التدريجي المحسوب، الذي يمكن أن يتحول، نتيجة خطأ في الحسابات أو سقوط عدد كبير من الضحايا، إلى مواجهة أوسع.

الانتخابات الأميركية

المحطة الثانية هي الانتخابات النصفية الأميركية. ورغم أنها استحقاق داخلي، فإن نتائجها ستحدد تركيبة الكونغرس خلال السنتين الأخيرتين من الولاية الرئاسية، وبالتالي قد تؤثر في قدرة الإدارة على تمرير الموازنات والمساعدات والتشريعات المتعلقة بالشرق الأوسط.

والواقع أن النقاش الأميركي حول إسرائيل والمساعدات العسكرية أصبح أكثر انقساماً. 

وقد تجد الإدارة الأميركية نفسها بعد الانتخابات، أمام كونغرس أكثر تشدداً في بعض الملفات أو أكثر استعداداً للضغط من أجل وقف التصعيد في ملفات أخرى.

في قلب هذه المعادلة يقف لبنان أمام استحقاق بالغ الحساسية. فقد قرر مجلس الأمن أن يكون تمديد ولاية "اليونيفيل" حتى نهاية ٢٠٢٦ للمرة الأخيرة، على أن تبدأ عملية الانسحاب المنظم بعدها.

لكن السؤال الأساسي هو: ماذا يحدث إذا انتهت مهمة "اليونيفيل" من دون أن تكون الترتيبات البديلة قد اكتملت؟

فالجيش اللبناني مطالب بتعزيز انتشاره وقدراته جنوب الليطاني، فيما لا تزال هناك قضايا أساسية لم تحسم: الانسحاب الإسرائيلي، ومستقبل السلاح خارج الدولة، وآلية مراقبة وقف النار، ودور المجتمع الدولي بعد رحيل "اليونيفيل".

إطار متكامل

في هذه المرحلة، تكتسب الديبلوماسية الأميركية والفرنسية والعربية أهمية خاصة. المطلوب لم يعد مجرد احتواء كل جولة من التصعيد، بل وضع إطار متكامل للمرحلة المقبلة يقوم على تثبيت وقف النار، والانسحاب الإسرائيلي، وتعزيز سلطة الدولة اللبنانية، ودعم الجيش، وضمان آلية موثوق بها للمراقبة والتحقق من تنفيذ القرار ١٧٠١.

وأيّ تأخير في الاتفاق على آلية ما بعد "اليونيفيل" قد يضع الجيش اللبناني أمام مسؤوليات أكبر من قدراته الحالية، ويعطي الأطراف المتصارعة ذريعة للعودة إلى منطق الأمن الميداني بدلاً من الحل السياسي.

المعضلة اللبنانية إذاً لا تختصر باحتمال ضربة إسرائيلية جديدة. الخطر الأوسع يكمن في تزامن التصعيد مع الفراغ: تصعيد إسرائيلي محتمل، واستمرار الخلاف على السلاح والانسحاب، وتراجع آلية المراقبة الدولية، وعدم اكتمال ترتيبات ما بعد "اليونيفيل". لذا تبدو الأسابيع المقبلة حاسمة.

المطلوب قبل الوصول إلى هذه النقطة هو تحويل المرحلة الانتقالية إلى فرصة سياسية، لا إلى فراغ أمني. فالانسحاب التدريجي لـ"اليونيفيل" يجب ألا يعني غياب الرقابة الدولية، والانتخابات الإسرائيلية يجب ألا تتحول إلى مناسبة لإعادة رسم الواقع الأمني بالقوة، والانتخابات الأميركية يجب ألا تؤدي إلى تجميد المسار الديبلوماسي.
وفي النهاية، لن يتحقق الاستقرار جنوبا بمجرد خفض مستوى العمليات العسكرية، بل يحتاج إلى ترتيبات واضحة تضمن أمن إسرائيل وسيادة لبنان في الوقت نفسه. ومن هنا يصبح عنوان المرحلة: منع الفراغ قبل أن يتحول إلى سبب جديد للحرب.