الجنوب ليس رهينة أحد... والدولة ليست "ربع سلطة"

مرة جديدة، يطلّ المفتي الجعفري الممتاز الشيخ أحمد قبلان بخطاب سياسي عالي السقف، موزّعاً شهادات الوطنية والشرعية، ومطالباً السلطة اللبنانية، كما قال، بـ«شهادة سجل عدلي من قرى الجنوب الحدودية» لإثبات شرعيتها الوطنية.

لكن قبل توزيع شهادات السجل العدلي الوطني على الدولة ومؤسساتها، لا بد من التذكير بحقيقة دستورية وسياسية ووطنية لا تحتمل الالتباس: الدولة اللبنانية ليست طرفاً في لبنان، ولا فريقاً سياسياً، ولا زاروباً حزبياً، ولا ممثلة لطائفة أو منطقة. الدولة هي المظلة الجامعة لكل اللبنانيين، من الجنوب إلى الشمال، ومن البقاع إلى بيروت والجبل والساحل.

ومن يختزل الدولة بموقف سياسي أو حكومي آني، أو يضع الجنوب في مواجهة باقي لبنان، أو يجعل الوطنية مرتبطة بقبول سلاح خارج إطار الشرعية، هو الذي يعرّض مفهوم الدولة للخطر.

نعم، لبنان فوق برميل بارود... ولكن من أشعل الحرائق؟

نوافق الشيخ قبلان على أن لبنان والمنطقة يمران بمرحلة شديدة الخطورة، وأن الخطاب التحريضي والطائفي والسياسي يمكن أن يدفع البلاد نحو الفتنة. لكن السؤال الذي يجب أن يُطرح بصراحة هو: هل التحريض يأتي فقط من الإعلام والخصوم السياسيين، أم أيضاً من الخطاب الذي يقسم اللبنانيين بين وطنيين وخونة، وبين مقاومين ومتخاذلين، وبين من يملك شهادة وطنية ومن يحتاج إلى شهادة حسن سلوك؟

لا أحد يملك احتكار الوطنية.

لا الشيخ أحمد قبلان، ولا أي حزب، ولا أي طائفة، ولا أي زعيم سياسي، يملك حق منح اللبنانيين صكوك الانتماء إلى وطنهم.

الوطنية لا تقاس بعدد البيانات النارية، ولا برفع سقف الخطاب، ولا بالتهديد بأن «السلطة تخلع نفسها»، بل تقاس بالالتزام بالدستور، واحترام المؤسسات، وحماية جميع اللبنانيين، ومنع جرّ البلاد إلى الحروب، والاحتكام إلى الدولة وحدها في تقرير مصير الحرب والسلم.

الجنوب ليس ملكاً سياسياً لأحد

عندما يقول الشيخ قبلان إن «السلطة التي تتنكر للجنوب وأهله تلغي نفسها»، فإننا نؤكد أن الدولة اللبنانية لم تتنكر للجنوب يوماً، ولن تتنكر له غداً.

الجنوب جزء من لبنان، وأهله أهل الدولة، ودماء أبنائه ليست أغلى من دماء أي لبناني، كما أنها ليست أقل قيمة من دماء أي مواطن في أي منطقة لبنانية.

الدولة اللبنانية لا تتخلى عن الجنوب، ولن تتخلى عن قرية حدودية، ولن تتخلى عن منزل مهدّم، أو عائلة نازحة، أو مزارع فقد أرضه، أو طفل عاش تحت القصف والخوف.

لكن حماية الجنوب لا تعني تحويله إلى منطقة خارج الدولة.

وحب الجنوب لا يعني أن يبقى أبناؤه وقوداً لحروب لا يقررون توقيتها ولا نهايتها.

والدفاع عن الجنوب لا يعني أن يصبح الجنوب رهينة قرار عسكري لا يخضع بصورة كاملة للمؤسسات الشرعية اللبنانية.

الدولة التي نريدها للجنوب ليست دولة بيانات، بل دولة جيش وسيادة وإعمار وتنمية وتعويضات وأمن وفرص حياة كريمة.

لا «ربع وطن»... ولا ربع دولة

قال الشيخ قبلان: «كما لا يمكن القبول بربع وطن، كذلك لا يمكن القبول بربع سلطة».

ونحن نقول: نعم، لا يمكن القبول بربع وطن، ولكن لا يمكن أيضاً القبول بربع دولة.

لا يمكن أن تكون للدولة صلاحية في مناطق، ولأي قوة أخرى صلاحية في مناطق أخرى.

لا يمكن أن يكون قرار السلم بيد المؤسسات، فيما قرار الحرب بيد طرف آخر.

لا يمكن أن يكون الجيش مسؤولاً عن الدفاع، ثم يقال له إن هناك قوة أخرى تملك قراراً موازياً.

لا يمكن أن نطالب بالدولة، ثم نقبل بازدواجية السلاح والقرار والسيادة.

إذا كان «ربع الوطن» مرفوضاً، فإن تقسيم السلطة بين شرعية دستورية وشرعيات موازية مرفوض أيضاً.

الدولة ليست سلطة «ربعها» في السرايا و«ربعها» في مجلس النواب و«ربعها» خارج المؤسسات.

الدولة، إما أن تكون صاحبة السيادة الكاملة على كامل أراضيها، أو أنها تبقى دولة ناقصة الصلاحيات والسيادة.

الدولة هي الحامية... والجيش هو الضمانة

في لحظة الخطر التي يعيشها الجنوب، لا يحتاج اللبنانيون إلى مزيد من الانقسام، بل إلى الالتفاف حول مؤسساتهم الشرعية، وفي مقدمتها الجيش اللبناني.

الجيش ليس جيش منطقة ولا جيش طائفة.

هو جيش كل اللبنانيين.

هو جيش الجنوب كما هو جيش بيروت والبقاع والشمال والجبل.

وعندما ينتشر الجيش في الجنوب، فهو لا يأتي بديلاً عن أهله، ولا خصماً لهم، بل يأتي ليؤكد أن هذه الأرض لبنانية، وأن مسؤولية حمايتها تقع على عاتق الدولة اللبنانية.

إن تسليم الجنوب للدولة والجيش ليس تنازلاً عن الجنوب، بل هو أعلى درجات حماية الجنوب.

لأن القرية التي يحميها الجيش اللبناني هي قرية يحميها الدستور والإجماع الوطني والشرعية الدولية.

أما إبقاء الجنوب في دائرة الصراعات الإقليمية المفتوحة، فهو يعني تعريضه مجدداً للدمار والنزوح والخسائر.

إسرائيل عدو... والسيادة اللبنانية لا تقل أهمية

لا خلاف على أن إسرائيل اعتدت وتعتدي على لبنان، وأن الاحتلال والاعتداء على الأراضي اللبنانية مرفوضان، وأن على المجتمع الدولي تحمل مسؤولياته في الضغط من أجل وقف الاعتداءات وانسحاب إسرائيل من كل الأراضي اللبنانية.

لكن مواجهة الاعتداء الإسرائيلي لا تبرر إلغاء الدولة اللبنانية.

والتمسك بكل حبة تراب من أرض لبنان لا يعني التخلي عن قرار الدولة في إدارة المعركة السياسية والدبلوماسية والعسكرية.

لن تتنازل الدولة عن شبر من أرض لبنان، ولن تقبل بالاحتلال، ولن تترك الجنوب، ولن تبيع حقوق أبنائه، ولن تتخلى عن أي قرية حدودية.

ولكن في المقابل، لن يكون إنقاذ الجنوب الحقيقي إلا عبر دولة قادرة على التفاوض باسمه، والدفاع عنه، وإعادة إعماره، وحماية سكانه، ومنع تحويله إلى ساحة رسائل بين القوى الإقليمية.

شهادة السجل العدلي المطلوبة ليست للدولة وحدها

أما الحديث عن مطالبة السلطة بـ«شهادة سجل عدلي من قرى الجنوب الحدودية»، فهو خطاب مقلق في مضمونه، لأن شرعية الدولة لا تستمد من شهادة يمنحها طرف سياسي أو ديني أو منطقة من المناطق.

شرعية الدولة تستمد من الدستور، ومن الشعب، ومن المؤسسات المنتخبة، ومن التزامها حماية جميع المواطنين.

وإذا كانت هناك «شهادة سجل عدلي وطنية» مطلوبة اليوم، فهي مطلوبة من الجميع:

- من كل من اتخذ قرار الحرب خارج مؤسسات الدولة.

- من كل من عرّض لبنان واللبنانيين لمخاطر لا طاقة لهم على تحملها.

- من كل من استخدم السلاح في السياسة الداخلية.

- من كل من عطّل قيام الدولة القادرة.

- من كل من يرفض أن يكون الجيش اللبناني القوة العسكرية الشرعية الوحيدة في البلاد.

- ومن كل من يضع مصلحة المحاور الإقليمية فوق مصلحة لبنان.

لا يجوز أن تُحاسب الدولة وحدها على نتائج أزمات لم تكن دائماً صاحبة القرار في إشعالها أو إدارتها.

الجنوب يحتاج إلى الدولة أكثر من أي وقت مضى

إن أهالي الجنوب لا يحتاجون إلى مزايدات جديدة، بل إلى عودة آمنة إلى قراهم، وإلى إعادة بناء منازلهم ومدارسهم ومستشفياتهم وطرقاتهم ومصالحهم.

يحتاجون إلى تعويضات عادلة.

إلى اقتصاد وفرص عمل.

إلى حماية أراضيهم الزراعية.

إلى إزالة آثار الحرب.

إلى انتشار الدولة بكل مؤسساتها.

وإلى ضمانة حقيقية بألا يصبحوا في كل مرة خط الدفاع الأول عن صراعات أكبر من لبنان.

هذه هي مسؤولية الدولة.

وهذه هي المظلة التي يجب أن تشمل الجنوب وكل لبنان.

الخلاصة: لبنان ليس «ربع وطن»... والدولة ليست «ربع سلطة»

نقول للشيخ أحمد قبلان: نعم، لبنان ليس مزرعة لأحد، وهذه العبارة صحيحة تماماً.

لكن لبنان أيضاً ليس ملكاً حصرياً لأي حزب أو طائفة أو مشروع أو سلاح.

ونقول له: نعم، الجنوب ليس هامشاً، ولن يكون هامشاً.

لكن الجنوب أيضاً ليس جزيرة منفصلة عن الدولة، ولا يجوز أن يُختزل بصوت سياسي واحد.

لبنان وطن كامل، وسيادته يجب أن تكون كاملة.

والدولة دولة كاملة، وسلطتها يجب أن تكون كاملة.

والجيش جيش كل لبنان، ومهمته حماية كل لبنان.

أما التلويح بأن الدولة «تخلع نفسها» إذا لم تنفذ شروط هذا الفريق أو ذاك، فهو منطق مرفوض، لأن الدولة لا تُدار بالإنذارات، ولا بالوصاية السياسية أو الدينية، بل بالدستور والمؤسسات.

الدولة اللبنانية هي الراعية لكل أبنائها، وهي المظلة فوق كل الطوائف والمناطق، وهي الضمانة الوحيدة لبقاء لبنان وطناً نهائياً لجميع أبنائه.

لن تتخلى الدولة عن الجنوب.

لن تتخلى عن أهله.

لن تتخلى عن قراه الحدودية.

ولن تتنازل عن حبة تراب واحدة من أرض لبنان.

لكن في المقابل، لا يمكن أن يبقى الجنوب رهينة حرب دائمة، ولا يمكن أن تبقى سيادة لبنان موزعة بين قرار رسمي وقرار موازٍ.

فالدولة التي نريدها قوية لا لأنها تدخل في مواجهة مع الجنوب، بل لأنها تحمل الجنوب في قلبها وتحميه بجيشها ومؤسساتها ودبلوماسيتها وقانونها.

وهذا هو الفرق بين وطن تحكمه دولة، ووطن تتنازع قراره القوى والسلاح والمحاور.

لبنان لا يحتاج إلى «ربع وطن» ولا إلى «ربع سلطة»...

لبنان يحتاج إلى دولة واحدة، وجيش واحد، وقرار واحد، وسيادة واحدة، ومظلة واحدة تحمي جميع اللبنانيين من أقصى الجنوب إلى أقصى الشمال