الجيش الإيراني بين ولاءٍ مُكرَه وإغراء القطيعة

في وقتٍ أدّت فيه الاحتجاجات في إيران إلى اهتزاز أركان الجمهورية الإسلامية، يجد الجيش النظامي نفسه هو الآخر عند منعطف حاسم في تاريخه. فبعد أن ظلّ طويلًا محصورًا في الدفاع عن الحدود، وبعيدًا تقليديًا عن الانخراط في الأمن الداخلي، بات اليوم تحت ضغطٍ مزدوج: سلطةٌ مُنهَكة، ومجتمعٌ في حالة تمرّد، وتهديد بضربات أميركية، كلّها تدفعه إلى الاختيار بين الولاء للنظام أو اعتماد حيادٍ نسبي، بل وربما الانحياز إلى الشعب.

انتظر الجيش الإيراني (الأرتش) حتى 10 كانون الثاني، أي قرابة أسبوعين بعد اندلاع الانتفاضة التي امتدت في أنحاء البلاد، ليصدر بيانًا بنبرة حازمة. تعهّد فيه «بمراقبة تحرّكات العدو في المنطقة»، مستعيدًا خطاب المؤامرة التي تحيكها الولايات المتحدة وإسرائيل، ثم «بحماية المصالح الوطنية، والبنى التحتية الاستراتيجية، والممتلكات العامة». ويوحي البيان بإمكان تدخّله في تظاهرات قُمعت أصلًا بقسوة على يد الحرس الثوري وميليشيا الباسيج التابعة له. وفي ظل شحّ المعلومات الخارجة من إيران، أظهر مقطع فيديو نُشر على «تلغرام» وتبنّاه معهد دراسة الحرب، في 10 كانون الثاني، انتشارًا عسكريًا في مدينة كرج، رابع أكبر مدن البلاد.


على الرغم من هذا الولاء المُعلَن، فإن الجيش، بتاريخِه وبنيته، يمثّل أرضيةً أكثر قابليةً للتصدّع من الحرس الثوري، الذي يُعدّ الركيزة الأيديولوجية الحقيقية للنظام.

تعود نشأة الجيش إلى عشرينيات القرن الماضي، حين حوّل رضا شاه بهلوي القوات القبلية إلى جيش وطني مركزي مدعوم بمستشارين غربيين. غير أنّ السلطة الجديدة بعد ثورة 1979 شرعت في إعادة هيكلة هذه المؤسسة التي اشتبه في ولائها للنظام السابق، بل إن إنشاء الحرس الثوري جاء أساسًا لمواجهة هذا «الخطر» المفترض. يقول سعيد آغانجي، المحلّل ورئيس تحرير موقع «إيران غايت نيوز»، إن النظام «سعى منذ السنوات الأولى إلى إعادة تشكيل الجيش عبر إقصاء عدد كبير من قادته وممارسة ضغطٍ دائم لفرض رقابة أيديولوجية على صفوفه»، لكنه يضيف أن هذا الجهد «لم يكتمل يومًا بالكامل».

ويضمّ الجيش أكثر من 400 ألف عنصر موزّعين على القوات البرية والجوية والبحرية، وقد اضطرّ طويلًا إلى التكيّف مع عتادٍ موروث من عهد الشاه ومن حرب إيران–العراق. غير أنّ تحوّلًا عقائديًا طرأ بعد السابع من تشرين الأول ٢٠٢٣، مع تراجع «محور المقاومة». إذ تلقّى الجيش وسائل أكثر تطوّرًا، ولا سيما شحنة كبيرة ولافتة من الطائرات المسيّرة والصواريخ في كانون الثاني 2024. وكان الهدف إظهار صورة قوة قادرة على مواجهة التهديدات الخارجية ضمن مقاربة غير متماثلة وردعية منخفضة الكلفة.

ومع ذلك، يبقى الجيش مهمَّشًا أمام الحرس الثوري. ففي إيران، تنعكس المعادلة: فالميليشيا لا تُعدّ امتدادًا للجيش بل تراقبه وتنافسه. يتقاضى عناصر «الحرش الثوري» رواتب أعلى، ويملكون موارد أوسع، وقد عزّزت السلطة سيطرتها عبر تطهير القيادات العليا واستبدالها بضباط موالين. ويشير سعيد آغانجي إلى أنّ «قمة الهرم العسكري في السنوات الأولى بعد الثورة صاغها إلى حدّ بعيد أفرادٌ موالون للسلطة». وفي هذا السياق، لا يهمّ كثيرًا إن كانوا يتبعون قائدًا في الحرس الثوري أو أي شخصية أخرى: فولاؤهم للنظام يبقى مضمونًا.

ويذكّر أرش عزيزي، الكاتب والمؤرّخ، بأن «الحرس الثوري بسط هيمنته على جزء كبير من مؤسسات الدولة في إيران، بما فيها الجيش»، لكنه يضيف أن «الجيش ما زال يحتفظ بتقاليده الخاصة وبقدرٍ من الاستقلالية». ويجسّد هذا التمايز رمزيًا محمد باقري، رئيس الأركان السابق وعضو الحرس الثوري، الذي قُتل في إحدى الضربات الإسرائيلية «القاطعة للرؤوس» التي افتتحت حرب الأيام الاثني عشر في حزيران ٢٠٢٥. ويقول عزيزي: «على الرغم من انتمائه إلى الحرس الثوري، كان باقري شخصية مرنة وكان يمكن أن يكون جزءًا من محاولة لتحويل النظام».

هل من تصدّعات محتملة؟

تتجاوز الفوارق بين الجيش النظامي والحرس الثوري البُنى التنظيمية لتطال البعد الأيديولوجي، وتعود إلى الذهنيات والمسارات المهنية للضباط. ويؤكد سعيد آغانجي أن «غالبية السكان لا تنظر إلى الجيش باعتباره مؤسسة ألحقت أذى مباشرًا بالمدنيين، ولا قوة أيديولوجية»، ولذلك «يُنظر إليه على أنه أكثر مصداقية وجديرًا بالثقة من غيره من فروع السلطة القائمة».

وفي السيناريوهات المتعدّدة لما بعد النظام، لا يُستبعد قيام تحالف تكتيكي بين القيادات العسكرية والسياسية. «قد يُقدمون على إحداث تحوّل داخلي في النظام واعتماد سياسات مختلفة تمامًا»، من تخفيف القيود الاجتماعية إلى تهدئة العداء تجاه الولايات المتحدة وإسرائيل، بحسب أرش عزيزي. «وقد يُحلّ الحرس الثوري وتُدمج وحداته الرئيسية في الجيش».

سيناريو آخر يتمثّل في ابتعادٍ تدريجي عن النظام ينطلق من المستويات الوسطى في الهرمية العسكرية. غير أنّ اندلاع مثل هذا التصدّع يبقى غير مرجّح ما لم تترسّخ لدى الجنود قناعةٌ بأن تغيير السلطة بات حتميًا. «لكن إذا تحقّق ذلك، فهناك احتمال قوي بأن ينحاز الجيش إلى الشعب»، يقول سعيد آغانجي.

في الوقت الراهن، لا تزال إيران والمنطقة بأسرها معلّقتين على تردّدات دونالد ترامب، الذي ألمح مؤخرًا إلى ضربة وشيكة قبل أن يعود إلى موقفٍ أكثر حذرًا. وقد تؤدي ضربة أميركية محدودة إلى ردّ من وكلاء إيران الإقليميين (حزب الله، الميليشيات العراقية، الحوثيون) وإلى تعبئة الجيش في دفاعٍ تقليدي، كما حدث خلال حرب الأيام الاثني عشر. غير أنّ إسرائيل تبدو هذه المرّة مائلة إلى انتظار مزيد من إضعاف النظام قبل التحرك. أما تهديدات واشنطن غير المتبوعة بفعل، فتمنح السلطة فسحةً من الوقت، في حين تُظهر التظاهرات بوادر إرهاق. لا يزال الولاء المفروض للمرشد الأعلى قائمًا، لكن قدرة الأجهزة الأمنية على التحمل قد تنفد سريعًا بدورها.