الحكومة أطلقت خطة حوكمة المخيمات فانطلقت موجة مخاوف وهواجس

الجمعة  الماضي، رعى رئيس الحكومة نواف سلام إطلاق "الخطة الوطنية لحوكمة المخيمات الفلسطينية في لبنان" التي وضعتها "لجنة الحوار الوطني اللبناني-الفلسطيني"، وقد تحول هذا النشاط  إلى حدث انطلقت معه موجة تأويلات وتحليلات لأبعاده ركزت على بعدين:

الأول علاقة الخطة الوليدة بأصل الإشكالية التاريخية المرافقة للوجود الفلسطيني في لبنان، وما نشأ عنه من تداعيات تراكمت مدى أكثر من 7 عقود.

والثاني أنه أعاد إلى الواجهة مسألة متصلة في الأشهر الأخيرة، سميت مجازا "مسح المخيمات"، وتفاعلت بعد أقل من 3 أشهر على تولّي الحكم الحالي مقاليد السلطة في لبنان، يوم زار رئيس السلطة الفلسطينية في رام الله محمود عباس بيروت، وأعطى الضوء الأخضر للانطلاق بنزع هذا السلاح إنفاذا لقرار اتخذه الحكم بحصره بيد الدولة. وكان تسليم حركة "فتح" لما قالت إنه كل سلاحها الثقيل في مخيمات بيروت والجنوب والشمال، الخطوة العملانية لتنفيذ القرار.

استندت لجنة الحوار إلى هذه الخطوة لتطلق حملة ضغط على سائر الفصائل من أجل أن تحذو حذو الفصيل الأم وتسلّم ما في مخازنها من سلاح ثقيل.

لكن تلك الفصائل المتوجسة والرافضة ضمنا التزام القرار، ما لبثت أن رفعت شعارها الدائم، وهو المطالبة بالحقوق المدنية للاجئين، تشجيعا على الخروج من المخاوف والتحفظات.

"خطة الحوكمة"
 

في البداية كان رد لجنة الحوار بأن الخوض في الحقوق الاجتماعية مسألة تحتاج إلى جهد وتشريعات ووقت، والأولوية هي لتسليم السلاح، بما يطمئن السلطة.

وطوال أكثر من عام بقيت المسألة محصورة بين تذكير اللجنة بمطلب تسليم السلاح، ومطالبة الفصائل بالحقوق المدنية المقررة منذ زمن، فبدا الأمر كأنه حوار طرشان، إلى أن فاجأت الحكومة الجميع بما سمته "خطة الحوكمة".

واللافت أن الحكومة استخدمت تعبيرا جديدا أمام اللاجئين الذين سرعان ما طالبوا بتوضيح المراد منه وحدود علاقته بمصطلح الحقوق، وهل هو مكمل له أو التفاف عليه؟

وعليه، بادر ممثل حركة "حماس" في لبنان أحمد عبد الهادي إلى القول إن "اللاجئين مهتمون بهذه المبادرة والتعامل معها كفرصة للانتقال بالعلاقة مع الدولة من إدارة المشكلات والأزمات إلى بناء منظومة مؤسسات مستقرة تعالج واقع المخيمات بمختلف أبعاده السياسية والأمنية والحقوقية الإنسانية والاجتماعية"، معتبرا أن "الموضوع يمثل مدخلا مهما لمعالجة الاختلالات المتراكمة في إدارة شؤون المخيمات وتنظيم العلاقة مع الدولة ومؤسساتها، وتحديد المسؤوليات والصلاحيات بما يضمن الاستقرار ويحسن الظروف الحياتية للاجئين ويحفظ في الوقت نفسه سيادة لبنان".\

مرجعيتان

إلى هذه الشروط الصعبة يضيف عبد الهادي شرطا آخر عندما يذكر الدولة بأن للاجئين مرجعيتين في لبنان إحداهما السفارة الفلسطينية، "وثمة حاجة إلى مرجعية فلسطينية وطنية موحدة وجامعة تتولى إدارة الشأن الفلسطيني حاليا وتشكل الشريك الفعلي للدولة اللبنانية في الحوار والاتفاق والتنفيذ".

وعليه، ثمة شروط ترفعها فئة سياسية فلسطينية وازنة لتكون الخطة واعدة ومثمرة.

وعن محاذير وعقبات أخرى أكبر وأوضح أمام هذه الخطة، يتحدث الرئيس السابق للجنة الحوار الوطني اللبناني-الفلسطيني الباحث السياسي خلدون الشريف إلى "النهار". يقول: "أتفهم جيدا الدوافع التي حدت بالحكومة ولجنة الحوار على دفع خطة حوكمة المخيمات إلى الضوء، كما أتفهم مندرجات هذه الخطة وخطوطها العريضة، خصوصا أن واضعيها قد أعطوا مهلة 6 أشهر للتشاور قبل إقرارها بصيغتها النهائية، ولكن لا بد من الإشارة إلى ملابسات سياسية مرتبطة بها، يجد البعض أن لها علاقة بالخطة وبتوقيت طرحها، لا سيما أن ثمة توجها أميركيا قديما ينادي صراحة بتوطين اللاجئين الفلسطينيين في لبنان".

يضيف: "يوم كنت رئيسا للجنة الحوار اللبناني- الفلسطيني قبل أعوام، أثار الأميركيون معي مسألة توطين اللاجئين في لبنان، وكان ردي عليهم حينها بأن هناك إجماعا عابرا للطوائف في لبنان على رفض التوطين".

ويتابع: "لا يمكن أن نشيح النظر عن قرار أميركي-إسرائيلي بتصفية وكالة الأونروا التي تعنى بشؤون اللاجئين. وليس خافيا أن اللاجئين عندنا ولبنان نفسه هم الأكثر تضررا من إنفاذ هذه القرار، لكون اللاجئين في سوريا والأردن ومصر قد أعطوا حقوقهم في العمل والتملك، ولا مبالغة في القول إن لبنان عاجز عن دفع كلفة الطبابة والتعليم وتوفير الخدمات الأخرى لسكان المخيمات، وهو القاصر عن معالجة أزمات اللبنانيين".

ويخلص الشريف إلى أن "خطة حوكمة المخيمات تنطوي على إيجابيات، ولكن يتعين أن نشير إلى محاذير متصلة بها وأضرار قد تنتج من التزامها"