الحياد الإيجابي في لبنان: خيار إنقاذي أم اختبار للسيادة؟

في كل محطة مفصلية من تاريخ لبنان، يعود السؤال نفسه بصيغة مختلفة: ما هو الدور الذي يريد هذا البلد أن يؤديه في محيط مضطرب؟

 هل يكون ساحة تتقاطع فيها صراعات الآخرين، أم مساحة توازن وحوار؟

 اليوم، ومع تفاقم الأزمات المالية والسياسية والسيادية، يتقدّم مفهوم الحياد الإيجابي مجدداً إلى واجهة النقاش العام، ليس كشعار نظري، بل كمشروع إنقاذي مطروح بجدية

الحياد في الحالة اللبنانية ليس مفهوماً طارئاً. فمنذ الاستقلال عام 1943، كرّس الميثاق الوطني معادلة “لا شرق ولا غرب”، في محاولة لبناء دولة لا تنخرط في محاور متصارعة. لم يُذكر الحياد نصاً، لكنه كان حاضراً في الفلسفة السياسية التي قامت على التوازن بين الانتماء العربي والانفتاح الدولي

لاحقاً، أعاد اتفاق الطائف تنظيم الحياة الدستورية، ونصّ في مقدمة الدستور على أن “لبنان عربي الهوية والانتماء”، كما شدد على بسط سلطة الدولة على كامل أراضيها. ورغم أن الاتفاق لم يتبنَّ الحياد صراحة، إلا أن مبادئ السيادة وحصرية السلطة التي أرسيت فيه تشكّل أساساً قانونياً لأي نقاش جدي حول تحييد لبنان عن صراعات المحاور

فالدستور اللبناني واضح في مادته الأولى: “لبنان دولة مستقلة ذات وحدة لا تتجزأ، وسيدة حرة مستقلة.” هذه العبارة ليست إنشائية، بل جوهر أي مقاربة لسياسة خارجية مستقلة. فالحياد، إن أُريد له أن يكون فعلياً، يفترض احتكار الدولة لقرار الحرب والسلم، والتزامها الشرعية الدولية، وعدم استخدام أراضيها منصة لصراعات الآخرين

في عام 2020، أعاد البطريرك بشارة الراعي طرح مفهوم الحياد الإيجابي كمشروع وطني متكامل، داعياً إلى تحييد لبنان عن المحاور الإقليمية، مع التزامه دعم القضايا العادلة دبلوماسياً، واحترام قرارات الأمم المتحدة. وقد أثار الطرح نقاشاً واسعاً بين مؤيدين يرون فيه مدخلاً لإعادة الثقة الدولية بلبنان، ومعارضين يعتبرونه غير قابل للتطبيق في ظل استمرار النزاع العربي–الإسرائيلي وتعقيدات التوازنات الداخلية

في هذا السياق، برز موقف حزب الكتائب اللبنانية الذي اعتبر أن الحياد ليس ترفاً سياسياً، بل ضرورة سيادية. فالحزب، الذي لطالما شدد على قيام دولة قوية تحتكر السلاح والقرار، يرى أن أي نهوض اقتصادي أو إصلاحي يبقى مستحيلاً ما لم يُحسم موقع لبنان خارج منطق المحاور. بالنسبة إليه، الحياد لا يعني التخلي عن القضايا العربية، بل حماية الداخل اللبناني من الانزلاق في حروب لا يملك قرارها

غير أن الطرح، مهما بدا منطقياً على المستوى النظري، يصطدم بواقع معقد: انقسام سياسي حاد، سلاح خارج إطار الدولة، هشاشة اقتصادية، وتداخل عميق للمصالح الإقليمية في الشأن الداخلي. لذلك فإن الحياد، إذا أُريد له أن يتحول إلى سياسة رسمية، يحتاج إلى توافق وطني شامل، وربما إلى تعديل دستوري واضح، إضافة إلى ضمانات دولية تكرّس احترام هذا الخيار

يبقى السؤال الجوهري: هل الحياد الإيجابي هو مخرج واقعي من الأزمة، أم أنه عنوان جديد في سجال سياسي مفتوح؟ الجواب لا يكمن في النصوص وحدها، بل في الإرادة السياسية. فالدساتير تُعدَّل، والخيارات تُتخذ، حين تتوافر قناعة وطنية بأن مصلحة الدولة تعلو فوق الحسابات الفئوية

لبنان اليوم أمام مفترق طرق. إما أن يبقى رهينة صراعات تتجاوز حجمه وقدرته، وإما أن يعيد تعريف موقعه كدولة سيّدة، تستثمر في تنوعها الثقافي ودورها الحضاري، لا في انقساماتها. والحياد الإيجابي، إن أُحسن فهمه وتطبيقه، قد يكون أحد المفاتيح الممكنة لهذا التحول