الخلاف على مشاعات جبل لبنان بين البلديات والمالية... مجلس الشورى يوقف تنفيذ قرار وزير المال

القانون والأعراف.. عاملان يتداخلان في ملف مشاعات جبل لبنان الذي تراكمت فيه لسنوات الاجتهادات الإدارية والقانونية المتباينة.

بات هذا الملف واحداً من الأكثر حساسية وتعقيداً، وقد عادت الضجة حياله بعد التعميم 609/2026 الصادر عن وزير المال ياسين جابر في 25 شباط من العام الحالي طالباً تسجيل العقارات غير الممسوحة والمشاعات بداية باسم الدولة، على أن تُنقل لاحقاً إلى البلديات عند توافر المستندات القانونية التي تثبت حقها فيها. 

كذلك نصّ التعميم على حصر دور المختار بالوظيفة التعريفية، ومنع إصدار إفادات "علم وخبر" الخاصة بهذه العقارات، وإخضاع أيّ عملية نقل ملكية لإشراف وزارة المال بصفتها الجهة الوصية على أملاك الدولة. هذا القرار أوقف تنفيذه منذ أيام بنتيجة قرار لمجلس شورى الدولة أتى بناء على مراجعة تقدم بها كل من بلدية رومية والنائب الياس حنكش لإبطال التعميم الذي حرّك هواجس لدى رؤساء البلديات والمخاتير والناس. فإلامَ استند مجلس الشورى في وقف التنفيذ؟ ولمَ التخوّف الكبير من الأهالي؟


ماذا في قرار الشورى؟
رأى مجلس شورى الدولة أن شروط وقف التنفيذ المنصوص عليها في المادة 77 من نظامه متوافرة. واستند القرار إلى وجود أسباب جدية للطعن تستوجب البحث في أساس الدعوى، أبرزها أن التعميم قد يكون تجاوز الإطار التنظيمي ودخل في مسائل ينظمها قانون الملكية العقارية وآليات قيد العقارات غير الممسوحة، بما قد يمس حقوق الملكية قبل استكمال إجراءات التحديد والتحرير القضائية.

كذلك أخذ في الاعتبار أن استمرار التنفيذ قد يرتب ضرراً بالغاً يصعب تداركه لاحقاً، ولا سيما إذا أدى إلى تسجيل عقارات أو مشاعات بطريقة تؤثر في حقوق البلديات والأهالي أو في المراكز القانونية لأصحاب الحقوق المحتملين. وأثار الطعن مسألة حدود صلاحيات وزير المال، معتبراً أن التعميم تضمّن توجيهات تتعلق بعمل القضاة العقاريين وأمناء السجل العقاري والمسّاحين، وهو ما يستوجب التحقق من مدى قانونيته.

 وبناءً على كل ذلك، قرر مجلس الشورى وقف تنفيذ التعميم إلى حين الفصل في المراجعة الأساسية، من دون أن يشكل ذلك حكماً نهائياً بإبطاله أو تأكيداً لعدم قانونيته، إذ يبقى البت النهائي رهنا بالقرار الذي سيصدر في أساس المراجعة.

الجدير ذكره أن وزارة المال أصدرت التعميم بتبرير أن ثمة مخالفات انتشرت خلال السنوات الأخيرة، تمثلت في تسجيل عقارات غير ممسوحة أو مشاعات باسم بلديات أو أفراد خلافا للأصول، وتجاوز بعض المخاتير صلاحياتهم عبر إصدار إفادات غير قانونية.

 

اعتراض البلديات والمخاتير

كان واضحاً أن اتحادات البلديات في مناطق الجبل وكسروان والمتن والبترون تعترض على هذا القرار وترى أنه يسلبها حق التصرف والانتفاع من هذه الأراضي، فضلاً عن اعتراض الرابطة المارونية في بيان عالي اللهجة.

رئيس الرابطة مارون الحلو يختصر الملف في حديثه إلى "النهار" بأن "المشاعات ملك الناس ممثلين ببلديات ومخاتريهم المنتخبين، ولا يمكن أن تملكها الدولة".

ووفق الحلو "ما صدر عن شورى الدولة هو وقف تنفيذ، وفي ما بعد من المرجح أن يتحول إلى إبطال دائم للقرار، وهذا ما يجب أن يحصل كي لا يخالف القانون، لكونها مشاعات ممسوحة ومعروفة وتختلف عن سائر المناطق اللبنانية".

الخلفية 
تعود جذور القضية إلى مرحلة إنشاء النظام العقاري في لبنان بين عامي 1922 و1932، حين وضعت القواعد القانونية التي نظمت الملكية العقارية بما يراعي خصوصية كل منطقة. وفي هذا السياق، شكّل القرار الرقم 3339 الصادر في 12 تشرين الثاني 1930 الأساس القانوني الذي فرّق بين المشاعات في مناطق جبل لبنان، باعتبارها ملكيات جماعية تعود إلى القرى أو البلديات وتحكمها الأعراف المحلية.

وترسّخ هذا التمييز مع تعديل المادة السابعة من قانون الملكية العقارية بموجب القانون الرقم 47 الصادر عام 1971، إذ اعتُبرت العقارات المتروكة المرفقة الواقعة ضمن النطاق البلدي ملكاً خاصاً للبلديات، ما أعطى السلطات المحلية دوراً أساسياً في إدارتها والتصرف بها ضمن الأطر القانونية.