الدواء في زمن الحرب: الكلفة ترتفع ورفع الأسعار مؤجل

مع تصاعد وتيرة الحرب في الشرق الأوسط وما يرافقها من اضطراب في حركة النقل وارتفاع كلفة الطاقة والشحن والتأمين، يعود ملف أسعار الأدوية إلى الواجهة. وبالرغم من المؤشرات الأولية إلى ارتفاع الكلفة على المستوردين والمصنّعين اللبنانيين، تؤكد الجهات المعنية في قطاع الدواء في لبنان أن الأسعار لن تتغير في الوقت الراهن.

ويؤكد مستشار وزير الصحة رضا الموسوي في حديث لـِ "المدن" أن أسعار الأدوية لن تتغير حالياً حتى لو ارتفعت الكلفة، من دون توضيح المدى الزمني المقصود بهذه المرحلة، ومشدداً على تمسك الوزارة بآلية التسعير المعتمدة التي لا تتبدل تلقائياً مع تقلبات السوق أو ارتفاع تكاليف الاستيراد والتصنيع.

 

مخزون يكفي لعدة أشهر

في موازاة القلق الشعبي من انقطاع بعض أصناف الأدوية، تؤكد نقابة مستوردي الأدوية أن الوضع لا يزال تحت السيطرة. ويقول رئيس النقابة جوزيف غريب في حديث لـِ "المدن" أن "معظم الأصناف متوافرة"، مشيراً إلى أن النقابة سلّمت وزارة الصحة لوائح مفصلة بالأدوية الموجودة في السوق، مع إعطاء الأولوية لاستيراد الأصناف التي يقترب مخزونها من الانخفاض.

ووفق غريب، يتراوح المخزون الإجمالي بين ثلاثة وأربعة أشهر، ويشمل الأدوية الموجودة لدى المستوردين إضافة إلى الأدوية المتوافرة في الصيدليات. ويضيف أن الصيدليات تحتفظ عادةً بمخزون يكفي شهراً واحداً، فيما يحتفظ الوكلاء بمخزون يقارب ثلاثة أشهر.

هذا التقدير، وفق غريب، يستند إلى معدلات استهلاك عادية. لكنه يلفت إلى أن الأزمات عادة ما تترافق في أيامها الأولى مع تهافت على شراء الأدوية، ما يرفع الطلب بنحو 20 في المئة مقارنة بالمعدل الطبيعي. ويؤكد أن هذا الارتفاع يبقى "مقبولاً"، خصوصاً مع استمرار خطوط الإمداد. كما شدد على أن استمرار الاستيراد هو العامل الحاسم في استقرار السوق، فطالما أن المرافئ والمطار ما زالا يعملان يمكن تعويض أي نقص محتمل عبر زيادة الكميات المستوردة من الأصناف المطلوبة.

 

حجم تغطية المصانع اللبنانية

في المقابل، يلعب التصنيع المحلي دوراً مهماً في دعم الاستقرار الدوائي خلال الأزمات. تشير رئيسة نقابة مصانع الأدوية في لبنان كارول أبي كرم في حديثها لـِ "المدن" إلى أن لبنان يضم 13 مصنعاً دوائياً، بينها مصانع متخصّصة في إنتاج الأمصال الوريدية وبعض المضادات الحيوية والمسكنات. وتؤكد أن هذه المصانع تغطي كامل حاجة السوق من الأمصال الوريدية، فيما تنتج المصانع الأخرى أدوية للأمراض المزمنة والأساسية مثل السكري والضغط وتجلط الدم وأمراض الجهاز التنفسي والمسالك البولية، إضافة إلى بعض أدوية السرطان.

وتقدّر أبي كرم أن الفئات العلاجية التي ينتجها القطاع المحلي تشكل بين 50 و60 في المئة من حاجات السوق اللبناني. "وهو ما ظهر بوضوح خلال الحرب السابقة في عام 2024، حين لعب التصنيع المحلي دوراً أساسياً في سد جزء كبير من الطلب"، وفق تعبيرها.

أما بالنسبة إلى المخزون، فتوضح أن المصانع تمتلك حالياً أدوية جاهزة تكفي لنحو ثلاثة أشهر، فيما تكفي المواد الأولية المتوفرة لديها لإنتاج الأدوية لمدة قد تصل إلى ثمانية أشهر إذا استمر الإنتاج بالمعدلات الحالية. وتشير إلى أن النزوح لا يزيد استهلاك الأدوية بقدر ما ينقل الطلب من منطقة إلى أخرى، معتبرة أن ما يحصل حالياً هو زيادة في التخزين أكثر منه زيادة في الحاجة الطبية الفعلية.

 

كلفة ترتفع وهوامش تتآكل

وبالرغم من استقرار الأسعار، لا يعني ذلك أن كلفة الدواء لم ترتفع. فالمصانع تؤكد أن ارتفاع أسعار المحروقات وكلفة النقل انعكس مباشرة على كلفة الإنتاج. لكن هذه الزيادة لن تنعكس حالياً على أسعار الأدوية. فبحسب أبي كرم، تتحمل المصانع هذه الكلفة من هوامش أرباحها، في ظل تسعيرة ثابتة تحددها وزارة الصحة.

وينسحب الوضع نفسه على الأدوية المستوردة. ويوضح نقيب الصيادلة في لبنان عبد الرحمن مرقباوي في حديث لـ"المدن" أن الوكلاء هم من يتحملون حالياً الكلفة الإضافية المرتبطة بالاستيراد والنقل، فيما تتحمل المصانع المحلية ارتفاع كلفة الإنتاج. ويشير إلى أن إعادة تسعير الأدوية تمر بإجراءات طويلة ومعقدة، تشمل مقارنة الأسعار مع دول الجوار قبل أن تتخذ وزارة الصحة أي قرار. وبحسب مرقباوي، تستغرق هذه العملية عادة ما بين ثلاثة وخمسة أشهر. أما إذا كان خطر انقطاع الدواء قائماً، فقد تضطر الوزارة إلى تسريع الإجراءات واتخاذ القرار في وقت أقصر.

 

ضبط التهافت في الصيدليات

على مستوى الصيدليات، شهدت الأيام الأولى من التصعيد تهافتاً على شراء الأدوية، كما يحصل عادة في بداية الأزمات. لكن النقابة تقول إن الطلب يعود تدريجياً إلى مستوياته الطبيعية.

ولتفادي حالات التهافت والتخزين المفرط، أصدرت نقابة الصيادلة تعميماً يطلب من الصيدليات تزويد المرضى بحاجتهم لشهر واحد فقط من أدوية الأمراض المزمنة، حتى لو كانت الوصفة الطبية تتضمن كمية تكفي لثلاثة أشهر. ويشرح مرقباوي أن هذه الخطوة تهدف إلى منع التخزين وضمان توزيع الأدوية بعدالة بين المرضى.