الدولة تدخل على خط إنتاج الرغيف… فهل تتفوّق القوانين على التسويات؟

مع أن رغيف الخبز يعتبر سلعة استراتيجية تسعى الدول إلى حمايتها كركيزة للأمن الغذائي والاجتماعي، يكشف واقع الأفران في لبنان مسارًا معاكسًا تمامًا.

فما يُفترض أن يكون منضبطًا بقوانين تحفظ حقوق الأفران وعمّالها، كما حق المواطن برغيف مستقرّ، متروك منذ سنوات للفوضى، ولاستثناءات واتفاقيات هجينة. وهذا ما يضعه في واقع مأزوم، تجلّى بوضوح منذ "تظاهرة الرغيف" في العام 1974، مرورًا بحروب لبنان وما خلّفته من تداعيات على كلّ القطاعات، وانتهاء بتحوّله لأحد وجوه أزمة سياسات الدعم التي ابتلعت أموال المودعين منذ العام 2019.

حتى الأحداث في سوريا كانت لها تداعياتها على الرغيف اللبناني. ولا يقتصر الأمر على حجم الاستهلاك، بل شكّل النزوح إلى لبنان منذ العام 2012 عامل فوضى إضافيًّا، أغرق القطاع بيد أجنبية رخيصة، تخلّت قسرًا عن أبسط حقوقها، فأسقطت معها كلّ الحقوق ومن ضمنها حقوق عمّال الأفران اللبنانيين.

طيلة هذه الفترة راكمت "كارتيلات" الخبز الأرباح. إلى أن انقلب هذا "الجشع" على أصحابه مؤخرًا، بظلّ ثنائية غزت القطاع، بين مؤسّسات مرخصة وأخرى غير مرخصة، وبين من التزم، كليًا أو جزئيًا، بتسجيل عمّاله في الضمان الاجتماعي، ومن تهرّب، وهو ما أخلّ بمبدأ عدالة المنافسة في ما بينها.

تغيّرت كلفة العامل… فتغيّر النزاع

مع تراجع أعداد النازحين السوريين في لبنان بعد سقوط نظام الأسد، وانحسار المساعدات الدولية التي كانت تسند هؤلاء في معيشتهم بلبنان، شهد قطاع الأفران تحوّلًا واضحًا في معادلة اليد العاملة. تراجع عدد عمال "الخلسة"، الذين شكّلوا عنصرًا أساسيًا في خفض كلفة الرغيف. وحتى لو توفر هؤلاء، صاروا يطالبون بأجر يتلاءم مع كلفة المعيشة في لبنان. هذا في وقت أصبح فيه عامل الفرن اللبناني عملة نادرة. فلم تعد الأفران بمواجهة السياسات العامة وحدها، بل باتت في صراع مفتوح في ما بينها، حتى على العامل.

هذا الواقع أعاد طرح الأسئلة حول مصير هذه العمالة، وحدود تنظيمها، وانعكاسات تبدّلاتها، ليس فقط على الإنتاج، بل على بنية سوق العمل برمّتها، وعلى موقع العامل اللبناني داخلها.

وفي هذا السياق، برز مؤخرًا الاتفاق الذي توصّل إليه اتحاد أصحاب الأفران مع وزارة العمل والصندوق الوطني للضمان الاجتماعيّ.

تنظيم أم طيّ صفحة المخالفات؟

في مؤتمر صحافي عقده رئيس اتحاد الأفران ناصر سرور قبل أيام، أُعلن عن اتفاقية مع وزارة العمل والضمان الاجتماعي تشمل تنظيم أوضاع العمّال الأجانب، من حيث إجازات العمل والانتساب إلى الضمان الاجتماعي. وقد قُدّم الاتفاق رسميًا على أنه يهدف إلى توثيق شرعية العمل لكلّ العمال الأجانب الموجودين في البلاد، بما يحدّ من المؤسّسات غير الشرعية، ويفتح الباب أمام انتظامها ضمن الأطر القانونية.

يتضمّن الاتفاق آليات تنفيذية واضحة، أبرزها استقبال طلبات إجازات العمل للعمال الأجانب فورًا في جميع المراكز الإقليمية، وإنجازها ضمن مهَل زمنيّة محدّدة، شرط استكمال الملفات، ووفق الشروط المتفق عليها مع وزارة العمل.

بالتوازي، سعى الاتفاق إلى معالجة عقدة "براءة الذمّة" من الضمان الاجتماعي، عبر آلية تقوم على دفع 15 % من المتوجبات وتقسيط المتبقي، إلى حين إقرار قانون الإعفاء من الغرامات، العالق في مجلس النواب، في محاولة لتخفيف العبء عن المؤسسات التي قرّرت الانتظام، بدل دفعها نحو الإقفال أو العودة إلى الاقتصاد غير الشرعي.

كما تضمّن الاتفاق وفقًا لما أعلن عنه سرور، تعهّدًا من وزير العمل بالتنسيق مع وزارات الاقتصاد والصناعة، لمكافحة المؤسّسات غير المرخصة، والتي تشغّل عمّالًا لا يستوفون الشروط القانونية. وفي هذا الإطار، أعلن الاتحاد استعداده لفتح أبوابه أمام المؤسسات غير الشرعية الراغبة في الانتظام، عبر مسار رسميّ تشرف عليه وزارتا الصناعة والعمل.

طال الاتفاق أيضًا ما عُرف بملف عمّال "الخلسة"، بحيث جرى التوافق على معالجته حصريًّا عبر الدولة، وحصره بالمؤسّسات الشرعية التي استحصلت على إجازات العمل، حمايةً للعمّال ومنعًا لاستغلالهم، وحمايةً للمؤسسات من ابتزاز بعضهم والفوضى. كما نصّ على احتساب المتوجّبات المالية لوزارة العمل ابتداءً من عام 2025، واعتبار ما قبل ذلك مطويًا، بحجة أن تسعير الخبز لم يحتسب سابقًا كلفة إجازات العمل، ولا يمكن تحميل الأفران اليوم أعباءً لم تكن ضمن معادلة التسعير.

في الشكل إذًا، بدا الاتفاق، محاولة لإعادة الانتظام بين قطاع الأفران والدولة، ووقف المضاربة غير الشرعية التي نشأت نتيجة تراكمات الفوضى في سوق العمل. ولكن هذا لا يعني بأنه لن يكون مرشحًا لأن يعيد إنتاج تسوية جديدة، تشرعن الواقع القائم، نحو تأجيل دائم لتطبيق القوانين على قطاع يُفترض أنه من الأكثر خضوعًا للرقابة، وللمعنيين بذلك تجارب كثيرة.

ترحيب عمّاليّ بالتوافق

يرحّب نقيب عمّال الأفران شحادة المصري بالتوافق، ولو "تأخر كثيرًا"، ولم يبحث مع نقابة عمّال الأفران المعنية مباشرة به. ويلفت المصري إلى أن بعض بنود الاتفاق هي مطلب مزمن للنقابة، رفض أصحاب الأفران سابقًا الالتزام بها. فيذكر بأن مطلب تطبيق قانون العمل على الأفران صدر بمذكرة رسميّة منذ "تظاهرة الأفران" الشهيرة. كما يلفت إلى أن نقابته ذهبت إلى أبعد من ذلك حين طالبت في العام 2019 بتشريع الضرورة للعمّال الأجانب الذين يعملون بالأفران. إذ إن التشريع للعامل الأجنبي برأيه يحمي أيضًا العامل اللبنانيّ. إلّا أن كلّ المذكرات والمطالبات بقيت حبرًا على ورق، حتى بعد أن صدرت مذكرة عن وزارة العمل في العام 2023، أخضعت عمال الأفران لقانون العمل اللبناني. إلى أن بدأ الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي أولى الخطوات العملية نحو استعادة الانتظام في قطاع الأفران في العام 2024.

كيس الطحين لم يعد مزرابًا للتهرّب 

أعلن الضمان عن البدء بتحصيل الاشتراكات القانونية من المخابز اعتبارًا من 1 نيسان 2024، أسوة بسائر المؤسّسات. فأنهى بذلك العمل بالقرار (92) الذي كان يمنح أصحاب الأفران والمخابز معاملة استثنائية. إذ إنه بدلًا من تسجيل العمّال في الضمان الاجتماعيّ ودفع الاشتراكات القانونية أي 25.5 % من الأجر، كان القرار المذكور يتيح للأفران دفع مبلغ مقطوع عن كل طن من الطحين.

أوقف الضمان بقراره مزراب التهرّب من التصريح عن العمال وتسديد الاشتراكات الحقيقية. إذ يصف كاسترو العبداللّه، رئيس الاتحاد الوطني لنقابات العمّال والمستخدمين في لبنان، الآليّة التي ربطت تسجيل العامل بالصندوق بكيس الطحين بـ "سرقة موصوفة"، ويطرح أسئلة علنية حول المستفيدين الفعليين من التقديمات، ولا سيّما تعويضات نهاية الخدمة. وبالتالي يدعو العبداللّه إلى تحقيق شفاف في سجلّات الأفران ربّما يظهر برأيه أسماء الصهر والابن والابنة التي وضعت مكان العامل الفعليّ.

ما يعزز هذه القناعة لدى العبداللّه، هو الأداء المريب للأفران، ونزعتها منذ إنهاء العمل بالآلية السابقة، للتخلّي عن العامل اللبناني، وهذا ما شرّع الأفران أمام عمالة غير شرعية، استُغل خلالها واقع النزوح السوري، وما خلّفه من فوضى في العمالة الأجنبية عمومًا. إذ فرضت على عمّال "الخلسة" ساعات عمل طويلة وإضافية غير مدفوعة، ومن دون أي حماية اجتماعية. وفي هذه المرحلة بالذات، تمّ الترويج لمقولة "عدم وجود لبنانيين راغبين في العمل في الأفران"، مع التلويح عند أي نقاش حول حقوق العمّال برفع سعر ربطة الخبز.

نحن من علّم صناعة الخبز

يلفت المصري إلى أن أصحاب الأفران ينزعون في كلّ مرة يطرح واقع العمالة بالأفران إلى تكبير الحجر، ويطالبون بمهنيات ومراكز تأهيل لهم، لإشراك الدولة بهذا العبء، بينما جميعنا يعلم بأن عامل الفرن يتعلّم المهنة في الفرن.

هذا في مقابل تعمّد أصحاب الأفران إلى تجاهل التاريخ الطويل من الحِرَفية اللبنانية في صناعة الخبز. فيستشهد العبداللّه بقرى جنوبية معروفة تاريخيًا بصناعة الخبز وتوارُث هذه المهنة. بينما يتحدث المصري عن العامل اللبناني الجنوبي الذي كان أول من أنتج الرغيف قبل العام 1948 في عكا وحيفا ويافا، ونقل شهرته من لبنان إلى الخليج وأفريقيا وأوروبا. ويتوافق الرجلان على أن العمل في الأفران لم يعد مجديًا لهؤلاء في ظلّ التدني الكبير بالأجور وغياب الحقوق. فيشرح المصري أن "من يكبر بالسن لا بديل عنه، حتى ابنه لن يعمل في المصلحة، لأنه اختبر ما عانينا منها".

العمّال اللبنانيون لم ينقرضوا ولكن...

شكّل تفريغ المهنة من أهلها وتكريس واقع العمالة غير المحميّة في المقابل، مدخلًا لتدخل الصندوق الوطني للضمان الاجتماعيّ حتى قبل الوصول إلى التوافق الأخير. فمن خلال محاولته إعادة الانتظام إلى العلاقة بين الأفران والصندوق، أعاد التذكير بأنها مؤسّسات تخضع تمامًا لقانون العمل. وقد بدأت ملامح جهوده تظهر في أواخر العام 2025. فكان توافق على ضرورة تنظيم عمالة الأفران، وحماية اليد العاملة اللبنانية، وتأمين حقها في الضمان الاجتماعي. بالإضافة إلى دعوة اللبنانيين القادرين، إلى الانخراط في هذا القطاع لتحقيق توازن مع اليد العاملة الأجنبية.

لكن السؤال الجوهريّ بقي هل ما زالت اليد العاملة اللبنانية موجودة أصلًا في هذا القطاع؟

بحسب شهادات نقابية، لم ينقرض العمال اللبنانيون، لكنهم تضرّروا بشدّة من المنافسة غير المشروعة التي خلقتها العمالة غير المنظمة. وهذا الأمر لم يكن حكرًا عليهم، بل شمل أيضًا العمّال السوريين أنفسهم. إذ فرضت العمالة غير الشرعية على هؤلاء ساعات عمل إضافية غير مدفوعة، مع تخلّ عن كلّ حقوقهم الأخرى. وهذا ما خلق أزمة حتى بالنسبة لليد العاملة السورية التي لم تكن تستفيد من تقديمات الجهات المانحة للنازحين.

الأفران في مأزق

مع بدء عودة النازحين السوريين إلى بلادهم بعد سقوط الأسد، صار العمل غير الشرعي للسوري أصعب، وباتت كلفته على الأفران كبرى، ما وضع الأفران أمام مأزق جديد. وهذا ربّما ما دفعها إلى البحث المتأخر عن تشريع واقع العمالة.

يُجمع كلّ من كاسترو العبداللّه وشحادة المصري على أن أصل الأزمة وحلّها يبدآن بتقوية أجهزة التفتيش والرقابة على الأفران. فيستعرض العبداللّه تحوّل القطاع من أفران فرديّة منتشرة في الأحياء إلى قطاع احتكاريّ تهيمن عليه ثلاث أو أربع شركات كبرى، حصّة أحدها من السوق تصل إلى نحو 26 في المئة. في مقابل تحوّل الأفران الفردية المحدودة نحو إنتاج الخبز لمصلحة الكارتيلات التي تبيعه تحت اسمها التجاريّ. ومن هنا، يرى أن هذه الأفران التي تخضع بالكامل لقانون العمل، ملزمة بالتصريح عن جميع عمّالها، لبنانيين كانوا أم "أجانب"، وإخضاعهم لشروط إجازة العمل والإقامة.

وينفي العبداللّه في المقابل أي إمكانية لأن يؤدّي ذلك إلى رفع سعر ربطة الخبز، معتبرًا أن تحميل ربطة الخبز أكلافًا لا علاقة لها بالإنتاج الأساسي، من كهرباء ومازوت وأنشطة تجارية موازية، يشكّل جزءًا من سياسة تضليل ممنهجة.

احذروا النيات

يعتبر المصري من جهته، أن تطبيق القوانين على الأفران خطوة تصحيحيّة يمكن أن توقف حلقة خفض الكلفة عبر سحق الحقوق. ولكنها برأيه غير كافية ما لم تُستكمل، بتطبيق صارم وشامل لقانون العمل على الجميع، لبنانيين وأجانب، من دون استثناءات أو تسويات. فالتناقض الفاضح الذي يشير إليه، بين أفران تسجّل عشرات العمّال وأخرى تضمّ مئات من دون أي تصريح، لا يضرب فقط حقوق العمّال، بل يخلق منافسة غير مشروعة ويحوّل ربطة الخبز إلى سلعة خاضعة للفوضى.

ولا يخفي المصري خشيته في المقابل من أن تبقى الخطوات التي سعت إليها الأفران، مجرّد "ذرّ رماد في العيون"، ومبرمجة لزيادة نفقات الإجازات والإقامات على سعر رغيف الخبز. وبالتالي، لا يستبعد أن تستمرّ إدارة القطاع بمنطق الأمر الواقع، بحيث لا تصرّح الأفران سوى عن عدد محدود من عمّالها مقابل تشغيل آخرين بظروف غير شرعية. ولهذا يتمنى أن يكون القانون "كالموت الذي لا يستثني أحدًا، ولا يميّز بين مرخص وغير مرخص، ولا بين عامل لبناني وآخر أجنبي". وإذ يطالب بإشراك البلديات في مسؤولية المراقبة على الأفران، يدعو أيضًا إلى إيجاد آلية لمنح حوافز لمفتشي وزارة العمل وتأمين مؤازرة أمنيّة لتمكينهم من مراقبة الأفران وسواها من الأعمال الليلية.

فهل تشكّل مسوّدة التوافق الأخير بين الأفران والجهات الرسميّة، كما قرارات الضمان التنفيذيّة، خطوة للأمام نحو استعادة الدولة دورها في قطاع يمسّ صميم أمنها الاجتماعي والغذائي، أم يُترك الخبز ضحيّة تسويات تؤجّل الانفجار ولكنها لا تمنعه؟