المصدر: نداء الوطن
الكاتب: جان الفغالي
الاثنين 14 أيلول 2026 07:41:40
في قصة تلة علي الطاهر، لا تبدو المشكلة في خسارة موقع عسكري فحسب، بل في السؤال الذي يفرض نفسه على اللبنانيين: لماذا لم يسلّم «حزب الله» هذا الموقع إلى الجيش اللبناني، ما دام «الحزب» يعرف أن البديل قد يكون وصول الجيش الإسرائيلي إليه؟
هذا السؤال لم يعد مجرد سجال سياسي. رفض «الحزب» تسليم التلة إلى الجيش، فيما لو سلمها إلى الدولة لكان يمكن أن يقوّي موقف لبنان في المفاوضات مع إسرائيل. وفي المقابل، انتهت التطورات الميدانية إلى إخلاء «الحزب» للموقع، مع إعلان إسرائيل السيطرة عليه. والأسوأ أن «حزب الله» أخلى علي الطاهر بضوء أخضر إيراني.
هنا تكمن المفارقة التي تستحق المساءلة: إذا كان «حزب الله» يعتبر إسرائيل الخطر الأول على لبنان، فلماذا يصبح تسليم موقع لبناني إلى الجيش اللبناني أكثر صعوبة من تركه في مواجهة احتمال وقوعه في يد إسرائيل؟
يمكن لـ«الحزب» أن يبرر موقفه باعتبارات عسكرية، وأن يقول إن تسليم موقع استراتيجي للجيش قبل التوصل إلى تفاهم شامل بشأن السلاح قد يفرض عليه تنازلات أكبر. لكن هذه الحجة تكشف في الوقت نفسه جوهر المشكلة، فالحزب لا يتعامل مع الجيش اللبناني باعتباره المرجعية الطبيعية الوحيدة للدفاع عن الأراضي اللبنانية، بل باعتباره طرفًا قد يؤدي تسلّمه موقعًا عسكريًا إلى تغيير معادلة السلاح. وهذه هي النقطة الأكثر إيلامًا في قصة علي الطاهر، فالدولة اللبنانية كان يفترض أن تكون المستفيد الطبيعي من أي انسحاب من موقع عسكري لبناني. أما أن يخرج «حزب الله» منه، ثم تجد إسرائيل نفسها قادرة على فرض وجودها فيه، فذلك يعني أن الخلاف لم يعد فقط مع إسرائيل، بل أيضًا حول من يملك قرار الأرض والسلاح.
لقد أثبتت علي الطاهر أن شعار «المقاومة» يمكن أن ينقلب إلى مأزق سياسي عندما تصبح الدولة نفسها مستبعدة من معادلة الدفاع. فإذا كان «الحزب» يرفض تسليم الموقع للجيش لأنه يخشى أن يكون ذلك سابقة تؤدي إلى تسليم مواقع أخرى، فالمشكلة ليست في التلة وحدها، المشكلة في رفض مبدأ حصرية القرار العسكري بيد الدولة. وهذا تحديدًا لب المشكلة، لقد أدرك «حزب الله» أن تلة علي الطاهر ليست الهدف الأخير. ولذلك تخوف من أن يمهد تسليمها إلى سابقة تؤسس لنمط جديد يبدأ بالضغط العسكري الإسرائيلي، وينتهي بأن يسلم «الحزب» كل شيء.
والأخطر أن خسارة الموقع أمام إسرائيل لا تمنح «الحزب» حجة أقوى، بل تطرح سؤالا معاكسًا: ما الفائدة التي جناها لبنان من احتفاظ «حزب الله» بالموقع إذا انتهى الأمر إلى خروج مقاتليه منه من دون أن ينتقل إلى الجيش اللبناني؟
هنا تصبح الدولة، لا «الحزب»، هي الطرف الذي ينبغي أن يُمنح فرصة الإمساك بالأرض والقرار. فلبنان لا يحتاج إلى قوة مسلحة تقرر أين تقاتل وأين تنسحب، ثم تترك الدولة أمام النتائج.
علي الطاهر ليست مجرد تلة. إنها اختبار حقيقي لفكرة الدولة نفسها. والنتيجة الأكثر قسوة على «حزب الله» هي أن رفضه تسليم الموقع للدولة قد يجعل خصومه يسألون: هل كانت حماية «المقاومة» أهم لديه من منع إسرائيل من الوصول إلى الموقع؟