الرئيس جوزاف عون والثبات على المواقف

لأول مرّة تُعلَن «مذكّرة تفاهم أو اتفاق» على الملأ، فلا يعود هناك مِن مجالٍ للتأويل.
وقد جاء في نصّ «مذكّرة التفاهم بين لبنان وإسرائيل» تاريخ ١٦ نيسان ٢٠٢٦، ما يلي:
١- «... وبوساطة من الولايات المتّحدة الأميركيّة، تَوَصَّل لبنان وإسرائيل الى تفاهم يَعمَل بموجبه كِلا البلدَين على تهيِئة الظروف المؤاتية لسلام دائم بينهما، والاعتراف الكامل لسيادة كلّ منهما».
يعني لا حرب مع إسرائيل بعد اليوم.

٢- «... مع الحفاظ على حقّ إسرائيل الدائم بالدفاع عن النفس».
يعني ممنوع على أحد التعرّض لأمن إسرائيل من لبنان وإلّا سيدفع الثمن، وذلك بموافقة راعي الاتفاق الأميركي.
٣- «... يقرّ كِلا البلدَين بالتحدّيات الكبيرة التي تواجهها الدولة اللبنانيّة من قِبَل الجماعات المسلّحة غير التابعة للدولة».
يعني الدولة اللبنانيّة تتنصّل من أفعال «حزب الله» الذي يتحدّاها.
٤- «... تكون القوات الوحيدة المأذون لها بِحَمل السلاح في لبنان هي:
الجيش اللبناني، قوى الأمن الداخلي، الأمن العام، أمن الدولة، الجمارك، شرطة البلديّة».
يعني لا يجوز أن يكون هناك سلاح في يد «حزب الله» وغيره من المنظّمات المسلّحة.
٥- «... يؤكّد لبنان وإسرائيل أنّ البلدَين ليسا في حالة حرب».
يعني الدولة اللبنانيّة لا تَكُنّ العداء المُطلق لإسرائيل، ولا يقبل لبنان التعدّي عليها من أراضيه.
٦- «... يجب التوصّل الى اتفاق شامل يكفل الأمن والاستقرار والسلام الدائمِين بين البلَدَين».
يعني الدولة اللبنانيّة تسعى الى علاقات طبيعيّة مع إسرائيل ضمن حدود كلّ مِن البلَدَين المُعتَرَف بها دوليًّا.
٧- «... ستتّخذ حكومة لبنان، وبدعم دولي، خطوات ملموسة وفعّالة لمنع «حزب الله» وغيره من «المجموعات المارقة» الأخرى من تنفيذ أيّة هجمات أو أنشطة ضدّ أهداف إسرائيليّة».
يعني المطلوب من الدولة اللبنانيّة بعد السلام، ضمان عدم التعدّي على إسرائيل مِن ضمن أراضيها.
٨- «... تعترف جميع الأطراف بأنّ قوى الأمن اللبنانيّة هي وحدها مسؤولة عن سيادة لبنان، ولا يحقّ لأي دولة أخرى أو جماعة أخرى الادّعاء بأنها الضامن لسيادة لبنان».
يعني لا إيران ولا «حزب الله» ولا «محور الممانعة» هو من يحمي لبنان. وحدها الدولة اللبنانيّة تحمي أرضها وشعبها وسيادتها.

من ناحية أخرى، ماكرون والمجموعة الأوروبيّة يؤيّدون الاتفاق ويعلنون أنّ على «حزب الله» أن يُلقي سلاحه».
إلقاء السلاح يعني استسلام «حزب الله».
إذاً، اتفاق ١٦ نيسان ٢٠٢٦ الواضح جدًّا، هو اتفاق بغطاء دولي، مفاده أنّ الجميع بات ضدّ سلاح «حزب الله» الذي أصبح عالميًّا «حزباً» غير شرعيًّا.
وعليه، فإننا نَنصَح منظّرِي «الاستراتجيّات الدفاعيّة» للحفاظ على سلاح «حزب الله» لأسباب انتخابيّة وسلطويّة، أن يقلِعوا عن هذه المعزوفة الممجوجة.
وللتذكير،
من العام ١٩٤٨، تاريخ تأسيس دولة إسرائيل الى العام ١٩٧٨، أي على مدى ثلاثين سنة لم تحتلّ إسرائيل شبراً واحداً مِن لبنان.
في العامي ١٩٧٨ و ١٩٨٢ استدعت هجمات المنظّمات الفلسطينيّة على إسرائيل، والتي كانت مستمرّة على مدى سنوات طويلة، استدعت دخول الجيش الإسرائيلي، تحت «أقواس الوَرد والأرُزّ الشيعي»، الى الجنوب الذي أُنشِئَ فيه «الشريط الحدودي».
في العام ٢٠٠٠ خَرَجَ الجيش الإسرائيلي من لبنان واختفى «الشريط الحدودي» واحتفلنا منذ ذلك الحين بعيد «التحرير» في أيّار من كلّ سنة.
في العام ٢٠٠٦، وبناء على استراتيجيّة «لو كُنتُ أعلم»، استدعى «حزب الله» إسرائيل من جديد للدخول الى جنوب لبنان. ودَفَعنا ما دفعنا مِن أثمان وتَرَجَّينا مَن تَرَجَّينا مِن رؤساء الدول، للوصول الى القرار ١٧٠١ وخروج الإسرائيلي من جديد من لبنان.
وفي ٨ تشرين الأول ٢٠٢٣، «وإسناداً لغزّة» أعاد «حزب الله» استدعاء الاحتلال الإسرائيلي، فاحتلّ خمس نقاط في جنوب لبنان. كما أعطى «الحزب» لإسرائيل الحقّ باستهداف مَن وما يُريد في اتفاق ٢٧ تشرين الثاني ٢٠٢٤.

واليوم، في اتفاق ١٦ نيسان ٢٠٢٦، تسعى الدولة اللبنانيّة جاهدةً لإخراج إسرائيل من الأراضي التي احتلّتها بعمق عشرة كيلومترات على طول الحدود اللبنانيّة الإسرائيليّة، من الناقورة حتى مزارع شبعا والبقاع الغربي، أي ما مساحته مئات الكيلومترات المربّعة. يعني أكبر من مساحة «غزّة». دون أن ننسى أنّ احتلال اليوم سببه الانتقام للمرشد الخامنئي.
يعني استدعاء إسرائيل لاحتلال لبنان، كان دائماً لأسبابٍ غير لبنانيّة!!

سَتَنجَح، بالتأكيد، الدولة اللبنانيّة بقيادة جوزاف عون ووجود نوّاف سلام، ستنجح بدبلوماسيّتها بإخراج الجيش الإسرائيلي من لبنان، وإعادة النازحين وإعادة الأسرى وإعادة إعمار ما تهدّم، ولكن يبقى السؤال، متى سَيَستَدعي «حزب الله» الاحتلال الإسرائيلي مَرَّة أُخرى مِن جديد؟ لأنّنا نحن أمام «مقاومة» دأبت على استدعاء الاحتلال بدل أن تمنعه أو تطرده.

يكفي أن نَستَمِع الى الشيخ نعيم قاسم وحسن فضل الله وحسين الحاج حسن ونوّاف الموسوي ووفيق صفا ومحمود قماطي وغيرهم ردًّا على خطاب فخامة رئيس الجمهوريّة لنتأكد أنّ تساؤلنا مشروع وفي محلّه.
يا الله، كم كلّفتنا سَرديّة «حزبِك» تحت شعار «جيش وشعب ومقاومة»!!!