الرياض "تحجب" طهران عن مساعي وقف النّار بلبنان؟

لا تقتصر أسباب اعتراض طهران على فصل مسار وقف الحرب ضدّ لبنان عن مسار وقف النار معها، على غضبها من تجريدها من ورقة لبنان. إذ تعترض على الاحتضان العربيّ، وتحديداً السعوديّ، لجهود وقف النار في البلد الصغير، على الرغم من حرص الرياض على التواصل معها لتشجيعها على عدم تفويت فرصة مفاوضات إسلام آباد. في هذا السياق جاء امتداح الرئيس جوزف عون لجهود وليّ العهد الأمير محمّد بن سلمان “الحكيمة والمتوازنة التي وفّرت أجواء لدعم الاستقرار في المنطقة”.

إمعاناً من طهران بحشر نفسها في اتصالات وقف النار في لبنان، تمّ ابتداع سيناريو أمس، قضى بإعلان “الحزب” مساءً أنه تبلغ من السفير الإيراني في بيروت محمد شيباني (المُعتبر غير مرغوب به في لبنان)، باتفاق وقف النار. جاء ذلك بعدما زف دونالد ترامب الخبر.

تجهد القيادة الإيرانيّة لمحاولة تبرئة نفسها من تهمة تخلّيها عن “الحزب” بعدما فاوضت أميركا في 8 نيسان في إسلام آباد بينما كانت الوحشيّة الإسرائيليّة تتصاعد في لبنان. تُقابِل إيفاد رئيس البرلمان نبيه برّي معاونه علي حسن خليل إلى الرياض، باتّصال من رئيس مجلس الشورى محمّد باقر قاليباف لإبلاغه  بضرورة وقف النار في لبنان أسوة بسائر الجبهات.

الحنق الإيرانيّ  

أكّدت مصادر لبنانيّة رفيعة لـ”أساس” أنّ جهود الرياض، مع إدارة دونالد ترامب، لوقف الحرب ضدّ لبنان كانت أساسيّة في دفع واشنطن إلى مطالبة إسرائيل بوقف النار في لبنان، إضافة إلى إصدار 16 دولة أوروبيّة مع سويسرا وأستراليا وكندا بياناً أصرّ على وقف الأعمال العدائيّة على جبهة لبنان.

اعتادت طهران مصادرة قرار لبنان، إلى درجة أُصيب قادتها بالحنق بسبب بحث وقف النار بينه وبين إسرائيل من دون أن يتاح لها استثمار إقحامه بالحرب في 2 آذار الماضي، ثمّ التفاوض على صفقة إنهائها التي تشمل حفظ نظامها.

ساء طهران أن يتحوّل قول رئيس الحكومة نوّاف سلام إنّه لا أحد يفاوض عن لبنان، ثمّ تأكيد الرئيس عون ومجلس الوزراء هذه القاعدة، التي تمّ ترجمتها إلى مسار عمليّ في محادثات سفيرَي لبنان وإسرائيل برعاية أميركيّة في واشنطن.

مطالب “الحزب” في واشنطن والتّهديد الإيرانيّ

حصل الاعتراض الإيرانيّ على الرغم من أنّ سفيرة لبنان في واشنطن ندى حمادة معوّض رفعت المطالب التي يطرحها “الحزب”، والتي تضمّنها البيان الصادر عن الخارجيّة الأميركيّة عارضاً مواقف المشاركين في الاجتماع: وحدة وسيادة الدولة الكاملة على أراضيها (بما يعني انسحاب إسرائيل الكامل وحصريّة السلاح)، وقف إطلاق النار، وإجراءات ملموسة لمعالجة الأزمة الإنسانيّة الحادّة (بما يعني عودة النازحين وإخلاء الأسرى  وتمويل إعادة الإعمار).

يرمي التهديد الإيرانيّ المتواصل بالانقسام اللبنانيّ بسبب خيار التفاوض المباشر إلى ترهيب مسار استقلاليّة قرار الحكم في لبنان. تهديد مستشار المرشد علي أكبر ولايتي رئيس الحكومة نوّاف سلام بأنّ “تجاهل الدور الفريد للمقاومة و”الحزب” سيعرّض لبنان لمخاطر أمنيّة لا يمكن تعويضها”، ينمّ عن شعور باقتراب فقدان ورقة التفاوض باسم لبنان. ثمّ التحذير من الانقسام الشيعيّ كما جاء على لسان المستشار السابق في الرئاسة الإيرانيّة حسام الدين آشنا، بحجّة أنّ برّي “يسلك مساراً خطِراً يؤدّي لانقسام الطائفة الشيعيّة”، يهدف إلى فرملة تغطية رئيس البرلمان لهذا التوجّه.

تكرار تجربة سوريا عام ألفين

يشبه اعتراض وحنق قادة “حرس الثورة” على سعي لبنان إلى الخروج من الحرب بلا إذن منهم، موقف سوريا الأسد حين وصف وزير الخارجيّة آنذاك فاروق الشرع، عام ألفين، انسحاب إسرائيل المزمع من الجنوب بـ”المؤامرة”.

لكنّ الاعتراض الإيرانيّ على التفاوض اللبنانيّ مع إسرائيل لا يحجب من صفحات التاريخ أنّ طهران نفسها فاوضت سرّاً إسرائيل في ترتيبات انسحابها عام ألفين من الجنوب، بوساطة ألمانيّة، في جنيف. في حينها حرص رئيس وزراء الدولة العبريّة إيهود باراك على أن تشمل الترتيبات ضمان ألّا يقصف “الحزب” قوّاته المنسحبة إلى خارج الحدود.

“ترسيم” حدود طهران السّياسيّة    

فور ظهور بوادر تسارع الجهود من أجل التوصّل إلى وقف إطلاق النار، نسب رئيس مجلس الشورى في طهران محمّد باقر قاليباف ذلك إلى مقاومة “الحزب”، فيما نسب الأخير احتمال نجاح وقف الأعمال العدائيّة إلى “ضغوط” إيران. يتبادل “العرّاب” الإيرانيّ مع “الحزب” الخدمات في الحملات الدعائيّة كالعادة. لم يلبث أسلوب التعبئة الإيرانيّة على طريقة الأواني المستطرَقة أن أطلق الرسالة المطلوبة: طهران تبلغ واشنطن وتل أبيب أنّ وقف الحرب على الجبهة اللبنانيّة يجب أن يتمّ بالاتّفاق معها، لا مع بيروت. إذ إنّ فصل مسار وقف الحرب في الجنوب عن المسار الشائك لوقفها ضدّ إيران يدفع الجانب الإيرانيّ إلى مقاومة “ترسيم” السلطة اللبنانيّة الحدود السياسيّة لدور طهران في البلد، مثلما سبق لسوريا الأسد أن امتنعت عن ترسيم الحدود البرّيّة مع لبنان تنفيذاً لقرار مجلس الأمن 1680 الذي كان يعني تجريد حكم البعث من استثمار الملفّات العالقة مع لبنان للتدخّل في شؤونه.

“تخصيب الأوراق”… ومحطّات التّفاوض المباشر

تركت طهران مقاتلي “الحزب” يواجهون تقدّم الاحتلال الإسرائيليّ على أرض الجنوب باذلين تضحيات هائلة بالدم، والكلفة الخياليّة على البنية التحتيّة المدنيّة، خلافاً لادّعاء هذا الشرط، وفضّل المفاوض الإيرانيّ “تخصيب” أوراقه التفاوضيّة على طاولة باكستان عبر استمرار اشتعال جبهة لبنان.

تحرص أوساط حكوميّة على تسجيل محطّات انخراط لبنان بالتفاوض المباشر مع إسرائيل لحفظ استقلاليّة قراره. تقول لـ”أساس” إنّ التاريخ القريب يشهد على الآتي:

– عام 1984 وبعد إسقاط اتّفاق 17 أيّار عادت اللجنة العسكريّة في البلدين إلى الاجتماع، استناداً إلى اتّفاق الهدنة، في عهد الرئيس الراحل رشيد كرامي.

– عام 1991 اجتمع الوفد اللبنانيّ الدبلوماسيّ المنبثق عن مؤتمر مدريد للسلام، برئاسة السفير الراحل سهيل شمّاس، مع الوفد الإسرائيليّ في جلسات عدّة في مقرّ وزارة الخارجيّة الأميركيّة في واشنطن. استند الموقف اللبنانيّ حينها إلى التمسّك بتطبيق القرار الدوليّ 425 القاضي بانسحاب إسرائيل من الجنوب.

– تلفت المصادر نفسها إلى أنّ حجّة رفض التفاوض تحت النار لم تعد تستقيم مع الحاجة الملحّة إلى وقف النكبة التي أصابت لبنان. تذكّر المصادر نفسها بأنّ “الحزب” نفسه فاوض بتكليفه الرئيس برّي التفاوض باسمه مع المبعوث الأميركيّ آموس هوكستين لأكثر من 6 أسابيع لإنجاز اتّفاق وقف الأعمال العدائيّة في 27 تشرين الثاني عام 2024.