المصدر: اللواء
الكاتب: زياد سامي عيتاني
الاثنين 15 حزيران 2026 07:45:08
إلى جانب حرص الرياض على حماية حكومة نواف سلام كصمام أمان سياسي، تنظر المملكة إلى رئيس الحكومة نفسه وفريقه كأحد الثوابت التي تشكّل ركائز التوازن الوطني الداخلي الذي تسعى لترسيخه. فالتمسّك باستمرار هذه الحكومة ينبع من قناعة سعودية أعمق بأن وجود حكومة قادرة على العمل المؤسسي شرط لازم لأي استقرار يمكن البناء عليه.
هذه القناعة ترتبط بدورها بثابت أكبر تتبنّاه الرياض، وهو اعتبار اتفاق الطائف الضمانة الوحيدة المتاحة حتى الآن لوحدة لبنان. فالمملكة، التي كانت راعية لهذا الاتفاق منذ توقيعه، لا تزال تنظر إليه كصيغة التوازن الدستوري التي تحفظ التعايش بين مختلف المكونات اللبنانية، وتمنع انزلاق البلاد إلى صراعات الهيمنة أو التهميش بين الطوائف والقوى السياسية.
من هذا المنظور، فإن أي حراكا سعوديا، سواء على مستوى الدعم الاقتصادي أو الغطاء السياسي أو القنوات الخلفية مع الأطراف المختلفة يصبّ في النهاية في خدمة هذا الإطار، أي حماية الصيغة التي يقوم عليها لبنان كدولة تكامل وتعايش، لا كدولة غلبة لفريق على آخر. وهذا ما يفسر إصرار الرياض على التعامل مع الرؤساء الثلاثة معاً كمنظومة متكاملة، بدل التعويل على طرف واحد على حساب الباقين، بما يعكس رؤية سعودية حكيمة وعاقلة وسديدها، مفادها أن أي اختلال في هذا التوازن الثلاثي قد يهدد الصيغة اللبنانية بأكملها، لا فريقاً سياسياً بعينه فقط، وذلك وفقاً لما نص عليه الدستور من التعاون والفصل بين السلطات.
• حماية سيادة الموقف التفاوضي
في قراءة متأنّية لخلفيات الحراك اللبناني الراهن، يتضح أن السباق الدبلوماسي المحموم لتأمين توافق رسمي حول خطة متكاملة لوقف إطلاق النار، لا ينفصل عن شبكة الأمان العربية التي تقودها المملكة العربية السعودية. فالجهد اللبناني الهادف إلى سحب «الورقة اللبنانية» وحرمان بنيامين نتنياهو من استغلال الساحة المحلية كذريعة لتفجير المنطقة أو نسف مساعي التهدئة الإقليمية، يتقاطع كلياً مع المقاربة السعودية الحذرة والمسؤولة.
وتؤكد المعطيات الدبلوماسية أن المواكبة السعودية الحثيثة للاجتماعات اللبنانية المكثفة لا تستهدف مجرد صياغة تسوية مؤقتة، بل تنطلق من رؤية استراتيجية أوسع تعارض بحسم أي تسرّع غير محسوب في إبرام اتفاقات منفردة أو مبتورة مع إسرائيل. هذه القراءة تنبع من ثبات الموقف السعودي الرافض لأي قفز فوق الأصول الثابتة للحل الشامل، وهي السياسة التي تجد جذورها في «مبادرة السلام العربية» التي انطلقت من قمة بيروت التاريخية عام 2002. إن الإصرار المشترك على صياغة «إطار عملي» متوافق عليه رسمياً يعكس رغبة في إقفال كل المنافذ أمام المناورات الإسرائيلية، مع التمسّك بالشرعية العربية والدولية كمرجعية وحيدة لأي اتفاق، بما يضمن لبلاد الأرز حلاً مستداماً يحمي سيادتها، ويمنع تحويلها إلى صندوق بريد لتبادل الرسائل الإقليمية، بعيداً عن أوهام الصفقات السريعة التي لا تصنع سلاماً حقيقياً.
• الروافع الاقتصادية: من التوجيه الملكي إلى التطبيق الميداني
في مقابل الغطاء السياسي والأمني الذي توفره الرياض، جاء التوجيه الملكي بفتح الأسواق السعودية أمام الصادرات اللبنانية كرافعة اقتصادية مباشرة، تمنح بيروت أوراق قوة تفاوضية إضافية في واشنطن. هذه الخطوة لم تكن مجرد بادرة حسن نية رمزية، بل وُضعت حيز التنفيذ عبر آليات مشتركة بإشراف الملحقية التجارية والجمارك، لضمان استئناف تدفق المنتجات الزراعية والصناعية اللبنانية وفق معايير رقابية صارمة تمنع عمليات التهريب.
وتكشف هذه المعادلة غطاء سياسي وانفتاح اقتصادي، عن مقاربة سعودية متكاملة: لا يمكن مطالبة لبنان بتقديم التزامات أمنية وسياسية كبرى دون تأمين مقومات صموده الداخلي أولاً، والحد من وطأة الانهيار المعيشي الذي يغذّي حالة عدم الاستقرار.
• اختبار القوى الداخلية
أمام هذا التحرك السعودي المتكامل، تقف القوى السياسية اللبنانية أمام اختبار مباشر لقدرتها على ترجمة الانفتاح الخارجي إلى إنجازات داخلية ملموسة. فالمعادلة التي ترسمها الرياض واضحة: الدعم متاح ومتدرج، لكنه مشروط بثلاثية الحفاظ على الترويكا الرئاسية متماسكة، وحماية حكومة سلام من أي اهتزاز، وإحراز تقدم فعلي في ملفي الإصلاح وحصر السلاح بيد الدولة، بما يحفظ صيغة الطائف التي تراها الرياض الإطار الجامع لكل ما سبق.
التلكؤ في تحقيق هذه الشروط، أو الانزلاق إلى صراعات داخلية بين مراكز القوى، قد يعني تراجع وتيرة الانفتاح السعودي وعودته إلى نمط الحذر السابق - وهو سيناريو تدركه الأطراف اللبنانية كافة، لكن التجربة التاريخية تُظهر أن إدراك المخاطر لا يكفي دائماً لتفادي تكرارها.