المصدر: أساس ميديا
الكاتب: وليد شقير
السبت 11 نيسان 2026 07:37:59
بموازاة الأنباء عن المفاوضات اللبنانية الإسرائيلية المباشرة الهادفة لوقف حرب إسرائيل على لبنان، شهدت الساعات الـ48 الماضية نقاشًا إيرانيًا سعوديًا، وسعوديًا أمريكيًا حول الملف اللبناني وتحديداً وقف النار. إضافة إلى هذين المسارين حققت القيادة اللبنانية نقلة جديدة على طريق تجريد طهران من ورقة ذراع الحزب عن طريق قرار مجلس الوزراء الإمساك بناصية التفاوض حول وقف الحرب بدلاً من تركها لطهران وللعبث الإسرائيلي الدموي. اهتم الموقف السعودي المتوازن بدفع الأمور نحو عدم تحوُّل وقف النار بلبنان إلى عقدة أمام حضور محادثات باكستان. وجرى تفعيل الخط الساخن بين الرياض ورئيس البرلمان نبيه برّي أكثر من مرّة خلال اليومين الماضيين. ودعمت الاتصالات السعودية المكثفة مع الرئاسات الثلاث الجهد الأميركي لوقف النار في لبنان.
تسبب سحب الحكومة ورقة لبنان من “حقيبة” رئيس الوفد الإيراني المفاوض محمد باقر قاليباف إلى باكستان، بحملة سياسية منظمة وشعواء على مواقع التواصل الاجتماعي، ضد رئيس الحكومة نواف سلام، اتهمته بالعمالة لإسرائيل. فتأكيد رئيسي الجمهورية جوزيف عون والحكومة نواف سلام أن لا أحد يفاوض عن لبنان وتبني مجلس الوزراء كلامهما، أثار طهران. مما دعا قاليباف للتغريد بأن “إيران وكل محور المقاومة، كحلفاء لإيران، يشكلون جزءاً لا يتجزأ من وقف النار”.
عيسى تلكّأ ثمّ سعى؟
كان مجلس الوزراء اتّخذ قراراً بالتفاوض مع إسرائيل لإنقاذ البلد من ارتكابها مجازر وسط لامبالاة أميركيّة. اتّخذت تل أبيب انزلاق “الحزب” في حرب إسرائيل وأميركا ضدّ طهران حجّة لإطلاق عمليّة عسكريّة موازية لضرب “الحزب” وإقامة منطقة أمنيّة عازلة حتّى نهر الليطاني. برّر السفير الأميركيّ في لبنان ميشال عيسى تلكّؤ بلاده وتل أبيب في الاستجابة لدعوة عون بخيبة واشنطن من تباطؤ لبنان في سحب سلاح “الحزب”، ومن جهة أخرى لزّمت إدارة دونالد ترامب الحليف الإسرائيليّ لبنانَ لعلّه يحطّم نفوذ إيران و”الحزب”. لكنّ عيسى سعى بعدئذٍ في واشنطن إلى تسويق مبادرة عون التي جاءت بعد أسبوع على اعتبار مجلس الوزراء نشاطات “الحزب” العسكريّة محظورة وخارجة على القانون.
كان عون اعتبر إطلاق “الحزب” صواريخ على إسرائيل انتقاماً لمقتل المرشد علي خامنئي، “كميناً منصوباً للبنان وقواه المسلّحة واستدراجاً للجيش الإسرائيليّ للتوغّل من أجل حسابات النظام الإيرانيّ”.
تجاهل بنيامين نتنياهو دعوة الرئيس اللبنانيّ جوزف عون إلى التفاوض المباشر مع إسرائيل التي أطلقها في 9 آذار الماضي. ثمّ جاءت استجابة نتنياهو للعرض اللبنانيّ للتفاوض، في 9 نيسان نتيجة تقاطع عوامل عدّة:
استنساخ مشهد غزّة؟
1- وسّعت الحملة الدوليّة ضّد وحشيّة إسرائيل دائرة السخط الدوليّ على ارتكاب جيشها مجازر “الأربعاء الأسود”. لم يحتمل المجتمع الدوليّ ما شهده على الشاشات من فظائع. سقوط أكثر من 300 شهيد من المدنيّين وآلاف المصابين في محصّلة لم تكتمل كذّب ادّعاء تل أبيب استهداف كوادر “الحزب” في العاصمة والمناطق. تنبّه القادة الدوليّون إلى أنّ إسرائيل تنسخ إجرامها بغزّة في لبنان. يشمل ذلك إذلال اللبنانيّين من غير بيئة “الحزب” إضافة إلى البيئة نفسها. تكرّر مشهد الإنذارات للنازحين كي ينتقلوا بأمتعة التهجير، من مأواهم الأوّل إلى الثاني والثالث، تماماً كما كانت تُطلبُ إليهم مغادرة جنوب غزّة إلى شماله، ثمّ العكس، ومن خان يونس إلى رفح، ومنها إلى مخيّم النصيرات إلخ… استعادت الشاشات نموذج ازدحام شارع صلاح الدين بالسيّارات المحمّلة بالوجوه التائهة والأمتعة، والهاربين على الأقدام، مع النزوح من صيدا وقرى الزهراني إلى كورنيش شاطئ بيروت ومدارسها، ومن محيط الضاحية الجنوبيّة إلى الشمال أو الجبل.
على عكس ما حصل في غزّة، لم يتأخّر السخط الدوليّ لأنّه لم يكن مشحوناً بردّة الفعل الغاضبة على عملّية “طوفان الأقصى” التي قامت بها “حماس” في 7 أكتوبر/تشرين الأوّل 2023.
تراكم الاتّصالات السّابقة واللّاحقة
2- سبق ذلك سيل من الاتّصالات التراكميّة مع واشنطن وتل أبيب، قبل مجازر الأربعاء الأسود، من قبل الفاتيكان، فرنسا، مصر، المملكة السعوديّة، قطر، تركيا والاتّحاد الأوروبيّ، لترتيب وقف للنار في لبنان. في اليومين الأخيرين، شملت الاتّصالات باكستان للإفادة من وساطتها لوقف النار بين واشنطن وإسرائيل وطهران، وضمّ لبنان إلى إجراءات التهدئة، تمهيداً للتفاوض. ما تزال بيروت تنتظر نتائج الجهود على هذا الصعيد. مصدر حكوميّ قال لـ”أساس” إنّ ما يُحكى عن اجتماع سفراء لبنان، إسرائيل وأميركا في مكتب وزير الخارجيّة الأميركيّ ما يزال ينتظر جهود وقف النار.
3- اتّصال ترامب بنتنياهو لخفض التصعيد في لبنان بعدما انتشرت وقائع الوحشيّة الإسرائيليّة على الشاشات الأميركيّة في اليوم نفسه، خلافاً لتقنين التلفزة الأميركيّة بثّ ما كان يحصل في غزّة. لا يريد ترامب أن يؤثّر التصعيد في لبنان على وقف النار ومفاوضات إسلام آباد مع طهران، على الرغم من امتعاض معارضي ومؤيّدي نتنياهو من اتّفاق واشنطن مع طهران. لذلك واجه الانتقادات بالإصرار على مواصلة حربه في الجنوب بحجّة ضرب قدرات “الحزب”.
التّشاور مع برّي.. ومخرج التّفاوض
4- كان المطلوب محلّيّاً من لبنان أن يؤكّد قراره سحب سلاح “الحزب” كمخرج يستند إليه الجانب الأميركيّ كي يتدخّل لدى إسرائيل ويرعى تفاوضاً على وقف النار ثمّ التفاوض. لهذا الغرض قرّر مجلس الوزراء، الخميس، تكليف الجيش والقوى الأمنيّة “المباشرة الفوريّة لتعزيز بسط سيطرة الدولة الكاملة على محافظة بيروت، وحصر السلاح فيها بالقوى الشرعيّة وحدها، والتشدّد في تطبيق القوانين”. سبقته استعادة التواصل بين سلام ورئيس البرلمان نبيه برّي للتوافق على توجّهات الحكومة. خرَق استقبال برّي لسلام انقطاع التواصل بينهما جرّاء تحفّظ الأوّل على قرار وزارة الخارجيّة سحب اعتماد السفير الإيرانيّ محمّد رضا شيباني واعتباره غير مرغوب به، من دون التشاور معه.
لم يعارض برّي القرار في شأن بيروت، خصوصاً أنّه كان وفّر التغطية الكاملة لقرار الحكومة حصر السلاح بيد الدولة على الأراضي اللبنانيّة كافّة، في 5 و7 آب 2025. لكنّه لم يحبّذ اعتماد تعبير “بيروت منزوعة السلاح” الذي استبعده سلام أصلاً. لم يعارض وزيرا برّي في الحكومة القرار، لكنّ وزيرَي “الحزب” اعترضا بعدما حاولا شطب عبارة “حصر السلاح بالقوى الشرعيّة”.
أمّا في شأن التفاوض المباشر مع إسرائيل، فإنّ موقف برّي السابق على تجديد الرئيس عون طلب لبنان وقف النار قبل التفاوض، يتطابق مع ما أعلنه عون، وكان غطّى قرار مجلس الوزراء بهذا الشأن في 2 آذار الماضي. أبلغ رئيس البرلمان ضمناً مَن يلزم أنّه لن يقف عثرة أمام ذهاب عون والحكومة إلى مفاوضات مباشرة، ولو من أجل الحصول على وقف النار، وحتّى لو لم يسمِّ عضواً شيعيّاً في الوفد المفاوض.
إلّا أنّ طريق التفاوض وما يُحكى عن زيارة الرئيس سلام لواشنطن ينتظران اتّضاح مفاوضات إسلام آباد ويتطلّبان تذليل الكثير من العقبات، حسب مصدر رسميّ.