الزلزال في كاراكاس وارتجاجاته العاصفة تبلغ.. بيروت

فبينما كان «خَلْعُ» نيكولاس مادورو عبر «اليد العليا» للولايات المتحدة ورئيسها «الذي لا يُتوقَّع» دونالد ترامب يترك تداعياتٍ «عابرةً للقارات» وسط أسئلةٍ عن «اليوم التالي» في فنزويلا و«الخطوة التالية» لواشنطن لضمانِ أن تحقق العمليةُ الخاطفةُ أهدافَها العميقة ولا تكون مجرّد سلْب كاراكاس رأس نظامها، بدت بيروت وكأنها على خطّ «الصفائح الساخنة» التي شقّتْ الأرضَ تحت أقدام «القائد» وزوجته في غرفة نومهما.

وفيما كانت «الحيثيةُ» الديبلوماسية - السياسية للإنزال الأميركي في الحصن المنيع لمادورو تتظهّر على أنها «إحياء لعقيدة مونرو» المانعة لأيّ تَلاعُب بالفناء الخلْفي للولايات المتحدة (في النصف الغربي من الكرة الأرضية) والتي تَعتبرها واشنطن «جواز مرور» للتصرف بإزاء ما تراه تهديداً لأمنها القومي أو «عملاً عدائياً» ضدّها، فإنّ «سَحْبَ» الرئيس الفنزويلي من كرسيه القيادي بدا موْصولاً في جوانب من خلفيّته «الأصلية» كما في ارتداداته الفعلية بالأرض المتحرّكة التي يَقف عليها لبنان «الفاقد الحَصانة» تجاه تصعيدٍ إسرائيلي كبير سعى لِتَجَنُّبه طوال 2025 ويشكّل التحدي الأخطر أمامه في أوائل 2026.

وهذا «الوصْلُ» كان قائماً على امتداد «المرحلة التحضيرية» (حرب القوارب) للعملية «الهوليوودية» التي أشرف عليها وتابَعها على الشاشة «الكاوبوي الأميركي» العائد على طريقة «الشريف (sheriff) الجديد في المدينة» (كما وصفه السيناتور ليندساي غراهام)، حيث راكَمَتْ واشنطن اتهاماتٍ لفنزويلا بأنها تحوّلت منصةً لنفوذ إيران و«حزب الله» اللذين رُبطا أيضاً بـ «كارتل الشمس» المصنّف أميركياً «منظمة إرهابية لتهريب المخدرات».

ومردُّ الانهماك في بيروت بمحاولة «رَبْطِ النقاط» بين التطور الصاعق في فنزويلا وبين «الصواعق» التي تزنّر لبنان، إلى أنّ تَمَدُّد «حزامِ التطويق» لمحورِ إيران وأخواتها إلى أميركا الجنوبية والتعاطي مع إقصاء مادورو على أنه بمثابة «دومينو» سيَستجرّ تأثيراتٍ متدحرجة أعطى ترامب بنفسه أمس إشاراتٍ سبّاقة إليها، يشي بأنّ طهران ستعمد إلى مزيد من «شدِّ الحبل»:

* سواء بإزاء الاحتجاجاتِ المتصاعدة في الداخل والتي تحوّلتْ بقعة زيت تتكاثر فوقها «أعواد الثقاب» التي تتّهم إيران كلاً من الولايات المتحدة وحتى إسرائيل بحمْلها ومحاولة إذكاء التحركات التي باتت مصنّفة بين مشروعة و... وتآمرية. 

* أو استطراداً بإزاء موقف «حزب الله» من المرحلة الثانية من سَحْبِ سلاحه التي يُفترض أن تعلن الحكومة اللبنانية في الخميس المقبل، انطلاقها وتحديداً بين نهريْ الليطاني والأولي، وإن من دون تحديد جدول زمني، وهو الأمر الذي سبق للحزب أن رسم خطاً أحمر حوله كرره أمس النائب في كتلته حسين جشي الذي قال «إن لبنان، شعباً وجيشاً ومقاومة، قام بكل ما عليه (جنوب الليطاني)، فيما يبقى المطلوب من العدو الإسرائيلي الالتزام بما يفرضه القرار 1701.

وأشار جَشي إلى أن «القرار 1701 ينص صراحةً على منطقة جنوب الليطاني، أما ما عدا ذلك فهو شأن داخلي لبناني يُناقش ضمن تفاهم وطني شامل، وفي إطار إستراتيجية دفاع وطني تَحمي البلاد من الأخطار، والدعوات إلى حصر السلاح خارج هذا الإطار، وفي ظل التوحش الإسرائيلي والشراكة الأميركية الكاملة في العدوان، هي دعوات غير واقعية وتخدم أهدافاً خارجية».

ولم تقلّ إثارةً للقلق قراءةُ أوساط سياسية للمَعاني الخطيرة لـ«علاج الصدمة» الذي اعتمده ترامب مع مادورو، متسائلة هل يؤدي انهماك واشنطن بالمواجهة الـ«ماكرو» مع المحور المُناهِض لها والمترامي من المتوسط حتى الكاريبي إلى جَعْلِ إسرائيل تَشعر بـ«ارتياح» أكبر للمضي في «الدوس على البنزين» في إطار تصعيدٍ كبير ضد «حزب الله» في لبنان أو تكثيف الضربات كَمّاً ونوعاً وعلى صعيد الجغرافيا، وخصوصاً بعدما باتت المرحلة إقليمياً ودولياً محتدمةً في شكلٍ لم تعد تحتمل سيناريو «الشرطي السيئ والشرطي الجيد» بقدر ما صار اللعب يتمّ «على المكشوف» وبإيقاع سريعٍ يشي بأن ثمة رغبة في قفل «أبواب الريح»... معاً.

وفي هذا الإطار، وغداة قيام إسرائيل أول من أمس بشنّ أكثر من 16 غارة في الجنوب والبقاع الغربي ثم استهدافها أمس سيارة في بلدة الخيام الجنوبية، فقد بدا واضحاً أن تل أبيب تكثّف رسائلها حيال ما قد ينتظر لبنان بعد حلول السنة الجديدة وانتهاء مهلة 31 ديسمبر التي اعتبرتْها تل أبيب لسَحْب سلاح حزب الله من كل لبنان على عكس قرار الحكومة اللبنانية بأن هذا موعد إنجاز المهمة جنوب الليطاني ليُحدّد مباشرةً تاريخ بدء مرحلة شمال النهر.

وفي حين أشار رئيس الحكومة نواف سلام في حديث تلفزيوني إلى أن «المرحلة الأولى من خطة الجيش لحصر السلاح استكملت، ما عدا النقاط التي تحتلها إسرائيل، وفي مطلع العام نستكمل الخطة»، مؤكداً «هذا السلاح لبناني ولا أحد يريد تسليمه لإسرائيل، وحصرية السلاح تعني أن يكون السلاح بإمرة الدولة اللبنانية، ولا يوجد خطر اقتتال داخلي»، فإن إشاراتٍ مثيرة للقلق توالت من إسرائيل وعكست استعداداتٍ محتملة لـ«شيء ما» كبير أو أكبر على جبهة لبنان.

وفي هذا السياق، برز إعلان هيئة البث الإسرائيلية أن الكابينت الإسرائيلي سيجتمع الخميس المقبل لبحث مسألة تنفيذ عملية عسكرية في لبنان، ناقلة عن مصدرين أن إسرائيل تدرس خيار شن عملية برية وعدم الاكتفاء بالغارات الجوية. كما أشارت إلى أن الرئيس الأميركي لا يعارض عملية إسرائيلية في لبنان، لكنه طلب من نتنياهو التريث إلى حين انتهاء الاتصالات الجارية مع الحكومة اللبنانية.

ونقلت وسائل إعلام لبنانية عن تقارير إسرائيلية وجود قرار بتوسيع العمليات على لبنان بما يشمل ضربات جوية وتوغلات، وذلك على مرمى 3 أيام من انعقاد اجتماع جديد للجنة المولجة الإشراف على اتفاق وقف النار (27 نوفمبر) «الميكانيزم» يوم الأربعاء ولكن هذه المرة بـ«جناحها» العسكري فقط، في ضوء معطياتٍ عن أن جناحها الديبلو- مدني الذي سبق أن اجتمع مرتين في كنفها سيحتجب من دون أن تُكشف الخلفيات الفعلية.

ولم تحجب هذه التطورات الخطيرة الأنظار عن ملف يتوهّج منذ أيام ويتمثّل في المعلومات عن وجود عدد كبير من فلول النظام السوري السابق في لبنان، مع تقارير وثّقت «خريطة وجودهم» لاسيما في بعلبك – الهرمل وطرابلس (جبل محسن) وعكار.

وبرز أمس تنفيذ وحداتٍ من الجيش اللبناني مداهمات في جبل محسن وأخرى في عكار على خلفية هذه المعلومات، وسط تقارير عن توقيف 4 من فلول النظام.

وكانت مصادر حكومية أفادت أن الدولة اللبنانية بدأت التحقق مما يُنشر ويُسرَّب عن وجود فلول النظام السوري البائد في لبنان وتحرّكاتهم، مؤكدة أن الأجهزة الأمنية فتحت تحقيقاً شاملاً بكل المعطيات المتداولة في هذا السياق.

⁠وأضافت المصادر أن لا غطاء سياسياً على أي نشاط يهدف إلى تحويل لبنان منصة لاستهداف سورية أو المساس بأمنها، مشددة على أن الدولة لن تتردد في اتخاذ أي إجراء قانوني أو أمني يحول دون ذلك، بعد استكمال التحقيقات الجارية.

وقبْلها كتب نائب رئيس الحكومة طارق متري على منصة «إكس»: «ما يتم تداوله في الإعلام وبين الناس عن تحركات أنصار النظام السوري السابق في لبنان يدعو إلى القلق. لا بد للأجهزة الأمنية اللبنانية أن تتحقق من صحته وتتخذ التدابير المناسبة، فهذا واجبها. ويترتب عليها -وعلينا جميعاً- أن ندرأ مخاطر القيام بأي أعمال تسيء إلى وحدة سورية أو تهدد أمنها واستقرارها، في لبنان أو انطلاقاً منه. كما يدعونا ذلك إلى المزيد من التعاون مع السلطات السورية على أساس الثقة والاحترام المتبادل لسيادة البلدين والمصلحة المشتركة».

وأتى ذلك، بعدما أشارت تقارير إعلامية إلى وجود نحو 20 طياراً من قوات النظام السوري السابق في لبنان، يحاولون الانضمام إلى «الفلول». كما لفتت إلى أن الضابط السوري السابق سهيل الحسن، جهّز مكتباً ضخماً في لبنان قرب الحدود السورية ليكون مقر قيادة وإدارة العمليات.