المصدر: Kataeb.org
الثلاثاء 20 كانون الثاني 2026 12:37:33
قال عميد السلك الدبلوماسي، السفير البابوي المونسنيور باولو بورجيا في كلمة كلمة لدى تقديم التهاني بالسنة الجديدة الى رئيس الجمهورية جوزاف عون:
"باسمِ السلكِ الدبلوماسيّ المعتمدِ في لبنان، يشرّفني أن أقدّمَ إلى فخامتكم أطيبَ التهاني، مقرونةً بتحيّةِ احترامٍ وتقديرٍ ووديّة، وذلك بمناسبةِ المراسمِ التقليديّةِ لتبادلِ التهاني بمطلعِ العامِ الجديد. ويطيبُ لي ويشرّفني أن أنقلَ إلى فخامتكم تهاني قداسةِ البابا لاوُن الرابع عشر، الذي يحملُ في قلبه الذكرى التي لا تُنسى لزيارته التاريخيّة إلى بلدِ الأرز، كما أنقلُ إليكم تهاني رؤساءِ الدولِ، والسلطاتِ، والشعوبِ التي نحظى، نحن المجتمعين هنا، بشرفِ تمثيلها في هذا البلدِ العزيز.
فخامة الرئيس،
بعد أربعة أعوام نلتقي مجدّدًا في هذه المراسم التقليدية، وبالنسبة إلى فخامتكم ولجميع أعضاء السلك الدبلوماسي تقريباً - إذ أذكّر بأن ستين سفيرًا قد تمّ اعتمادهم منذ بداية ولايتكم - فهذا هو اللقاء الأول الذي يجمعنا جميعًا معًا، لنتبادل التهاني بمناسبة هذا العام الجديد الذي يطلّ علينا، مُعبِّرين بذلك عن الصداقة التي تجمعنا في ما بيننا، والتي تربط شعوبنا بالشعب اللبناني. مما يدل على الصداقة التي تربطنا ببعضنا البعض وتربط شعوبنا بالشعب اللبناني.
خلال هذه الفترة الطويلة، شهدنا أحداثًا كثيرة؛ من بينها انتهاء ولاية سلفكم، فخامة الرئيس ميشال عون، الذي كنتُ آخرَ سفيرٍ يُعتمد لديه، وذلك قبل أيام قليلة من مغادرته هذا القصر. لقد اندلعت الحرب مع إسرائيل التي دامت أكثر من عامين، والتي خلّفت معاناةً، موتًا ودمارًا. وعلى الرغم من وقف إطلاق النار، لم تُطوَ صفحتها بعد. ثمّ بدأ الفراغُ الرئاسيُّ الطويل، فوضع لبنان على محكٍّ قاسٍ. وينبغي أن يكون ذلك تذكيرًا للسياسة بحسِّها بالمسؤولية تفاديًا لتكرار مثل هذه الأوضاع مستقبلًا، بما تحمله من تداعياتٍ جسيمة على البلاد، ودعوة الى احترام مختلف الاستحقاقات الانتخابية، لما لها من أهميّة بالغة في حياة أيّ دولة.
فخامة الرئيس، إن انتخابكم في ٩ كانون الثاني/يناير ٢٠٢٥، وتشكيل حكومةٍ جديدة بعد شهر، برئاسة دولة رئيس مجلس الوزراء نواف سلام، قد أعاد الأمل إلى اللبنانيين بنهوض البلاد، وأعطاهم طاقة جديدة لمواجهة المشكلات العديدة التي كانت ماثلة أمامهم معًا. فلدى انتخابكم، كانت القضايا المطروحة كثيرة، والأهداف المنشودة عديدة، كما أوضحتم جيدًا في خطابكم عند مستهل ولايتكم. إنّ العمل الذي أُنجز خلال هذه السنة المنصرمة قد أسفر بالفعل عن نتائج ملموسة، غير أنّه ما يزال هناك الكثير ممّا ينبغي القيام به، ونحن جميعًا نشجّعكم ومعكم الحكومة والبرلمان، على مواصلة العمل بصبرٍ وشجاعةٍ وحيوية، واثقين بقدرات هذا الشعب الكريم وقوّة صموده، الذي لطالما عرف، على امتداد تاريخه، كيف ينهض من جديد بكرامةٍ وعزيمة. كما ندعو جميع الأطراف السياسية والمؤسساتية الأخرى الى التعاون واضعين نصب أعينهم الخير العام وحده.
فخامة الرئيس، تساءلتُ عمّا يمكنني أن أتمنّاه لفخامتكم في مطلع هذا العام الجديد، وما الذي يمكن أن نتمنّاه لأنفسنا، نحن ممثّلي الدول. قد تكون هناك أشياء كثيرة، غير أنّني أعتقد أنّ أهمَّها جميعًا هو السلام. إذ إنّه يمثّل الشرط الذي يشمل ويعزّز كلَّ خيرٍ منشود. فالسلام، في الواقع، ليس مجرّد اتفاقٍ أو معاهدةٍ تتيح حياةً هادئة، ولا يُختصر معناه في غياب الحرب فحسب. وفقًا لأصل الكلمة في اللغات السامية، ومنها العربية، فإنّه يدلّ على الكمال والسلامة، وعلى إنجاز فعلٍ يهدف إلى إعادة التكامُل. وهي الحالة التي يعيش فيها الإنسان في انسجامٍ مع الله، ومع ذاته، ومع القريب، ومع الطبيعة. السلام بركة، وهو تمنٍّ بواقعٍ. السلام مرغوب فيه لدرجة أنه بات في الشرق الأوسط تحيّةً متبادلة بين الجميع1 . في الواقع، من الشائع في اللغة العربية استخدام تعابير مثل" مع السلامة"، " السلام عليكم" و" السلام معكم."
وعلى الرغم من أنّ السلام هو أعظم خيرٍ يمكن التطلّع إليه، فإنّنا اليوم، عند النظر إلى الوضع العالمي، ولا سيّما في هذا الشرق الأوسط الذي ننتمي إليه، لا يسعنا إلّا أن نلاحظ مدى صعوبة تحقيقه. اليوم، بلغ عدد النزاعات، الداخلية منها والخارجية، في العالم أعلى مستوياته منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، في حين سجّلت نسبة الحلول الإيجابية أدنى مستوياتها. كما باتت النزاعات تزداد طابعًا دوليًا على نحوٍ متصاعد، الأمر الذي يجعل من الصعب إيجاد حلول إيجابية. والنفقات المخصّصة للتسلّح تتزايد، بينما تتناقص النفقاتُ المخصّصة للوقاية من النزاعات وتعزيز السلام. لقد عادت الحرب إلى الواجهة، وقد جرى انتهاك المبدأ الذي أُرسِيَ بعد الحرب العالمية الثانية، والقاضي بحظر لجوء الدول إلى استخدام القوّة لانتهاك حدود غيرها. يثير القلقَ على الصعيد الدولي ضعفُ التعدّدية، وبدل دبلوماسيةٍ تعزّز الحوار وتسعى إلى توافق الجميع، آخذةٌ في الظهور دبلوماسيةُ القوّة، سواء من قبل أفراد أو مجموعاتٍ من الحلفاء . علاوةً على ذلك، تُثير القلقَ حالاتُ القمع الداخلي وانتهاكاتُ حقوق الإنسان، التي أُقِرَّ إعلانُها العالمي منذ ما يقارب ثمانين عامًا، على يد عالمٍ كان قد خرج لتوّه من التجربة الرهيبة للحرب، وكان يتطلّع إلى المستقبل بأملٍ وثقة. كما لا بدّ من الإقرار بأنّه كثيرًا ما لم يعد يُسعى إلى السلام بوصفه عطيّةً وخيرًا مرغوبًا في حدِّ ذاته في إطار السعي إلى نظامٍ أسمى، يقتضي تحقيق عدالةٍ أكثر كمالًا بين البشر، فيتمّ السعي إلى تحقيق السلام بواسطة السلاح، كشرط لفرض الهيمنة الخاصة. وهذا يضرّ بشكلٍ خطير بسيادة القانون، التي تُشكّل الأساسَ لكلّ تعايشٍ مدنيٍّ سلمي.
غالبًا ما بات من الصعب اليوم حتّى مجرّد الحديث عن السلام، أو الإيمان به. فكثيرون يعتبرون السلام تصوّرٍ مثاليّ )يوتوبيا( غير قابلٍ للتحقّق، ويعتبرون الحديث عنه مجرد خطاب بلاغي عديم الفائدة. ويشعر الكثيرون بعجز كبير أمام مجرى الأحداث، فيفقدون الأمل ويستسلمون للإحباط، ويدخلون في عتمة عدم اليقين، والخوف.
ومع ذلك، فالسلام ليس حلمًا مستحيلًا )يوتوبيا(، ولا يجوز أن تُدانَ البشريةُ بالعيش أبديًا في ظلمات الكراهية والعنف.
السلام موجود، لا يجوز أن نفقد الرجاء أبدًا. إنّه يريد أن يسكن فينا، وله القدرة الوادعة على إنارة فهمنا وتوسيعه، ويقاوم العنف وينتصر عليه. السّلام له نَفَسُ الأبديّة: وبينما نصرخ في وجه الشّرّ "كفى"، السّلام يهمس همسًا "إلى الأبد" . هكذا كتب قداسة البابا لاونُُ الرابع عشر في رسالته الأخيرة بمناسبة اليوم العالمي للسلام، التي وجّهها إلى جميع قادة الدول وإلى كلّ ذوي الإرادة الصالحة.
السلام يسكن، أولًا وقبل كل شيء، في قلوب الذين يقبلونه، ويعيش في نفوس الذين يمارسونه. فلنحرص ألّا نكفّ يومًا عن ذكره، والحديث عنه، والتفكير فيه، والسعي إليه، والرغبة فيه؛ لندعه يدخل إلى عقولنا وحياتنا، ليكون رفيقًا أمينًا لحياتنا. وإن كان يُواجَه بالمقاومة في داخلنا وخارجنا على السواء، كَشُعلةٍ صغيرةٍ تُهدِّده العاصفة، فلنحافظ عليه من دون أن ننسى أسماءَ وقصصَ الذين شهدوا له أو لا يزالون يشهدون. نعم، لأنّ كثيرين هم الذين يؤمنون بالسلام ويعملون من أجله، ويحافظون على الأمل في مستقبل أفضل .
كان أوغسطينوس من هيبونا، اللاهوتيّ الكاثوليكيّ والفيلسوف الكبير في المرحلة الفاصلة بين نهاية الإمبراطورية الرومانية وبداية العصور الوسطى، يحثّ معاصريه على نسج صداقةٍ لا تنفصم مع السلام، لكي يتمكّنوا، وهم يصونونه في أعماق نفوسهم، من إشعاع دفئه النيّر في كلّ ما حولهم. وقد كتب يقول: " إن أردتم أن تجذبوا الآخرين إلى السلام، فليكن السلام فيكم أنتم أوّلًا؛ كونوا أنتم قبل كلّ شيء ثابتين راسخين في السلام. لكي تشعلوا الآخرين، يجب أن يكون فيكم، في داخلكم، النّور مشتعلًا " . إنّ العمل من أجل السلام يقتضي، في المقام الأول، تغييرًا في العقلية، على الصعيدين الشخصي، والجماعي والسياسي، أي تحوّلًا في القلوب يتيح إلقاء السلاح، واستئصالِ العنفِ والكراهيةِ من ذواتنا وممّا يحيط بنا، ومن مجالاتِ السياسةِ والثقافةِ والتربية. هذا ما يمكن أن نسمّيه سلامًا مُجَرَّدًا من السِّلاح، وهو ثمرة خيارٍ واعٍ وقناعةٍ راسخة بإلقاء السلاح سعيًا إلى خيرٍ أسمى وأكثر أهميةّ من منطقِ المواجهةِ القائمِ على القوّة، ذلك المنطق الذي يسهم، على نحوٍ متزايد، في زعزعةِ الاستقرار على الصعيد العالمي، ويزداد يومًا بعد يوم حدّةً وخطورة. ففي الواقع، إنّ القوّة الرادعة تجسّد اختلالًا في طبيعة العلاقة بين الشعوب، حين تُبنى لا على الحقّ والعدالة والثقة، بل على الخوف وتغليب منطق القوّة والحوار بما يبدّد فتيل العداء، وتُمارَس فيها العدالة ويُصان الغفران. أماكن يُرفَض فيها أيّ تبرير ديني للكراهية والعنف والكفاح المسلّح، انطلاقًا من القناعة بأنّ الأديان لا تحرّض أبدًا على الحرب، ولا تُثير مشاعر الكراهية أو العداء أو التطرّف أو العنف، إذ إنّ هذه كلّها إنّما هي ثمرة تحريف التعاليم الدينيةّ، واستغلال الدين لأهداف سياسيةّ أو اقتصاديةّ.7
وبالنسبة إلى الشرق الأوسط، ولبنان على وجه الخصوص، بوصفه مهد الديانات الإبراهيمية، يمكن ملاحظة المسار الشاقّ والسعي الدؤوب نحو نيل العطيّة الثمينة المتمثّلة في السلام، وسط شعورٍ من القلق والإحباط أمامَ صِراعاتٍ مُعَقَّدَةٍ ومُتَجَذِّرَةٍ عبرَ الزّمن. مع ذلك، وسطَ هذه التّحدّيات، يمكِنُنا أن نَجِدَ معنًى للرّجاءِ والعزاءِ والتشجيع عندما نُرَكِّزُ على ما يجمع المؤمنين على اختلاف انتماءاتهم الدينيةّ: أي على إنسانيّتِنا المشتركة، وإيمانِنا بإلَهِ المحبّةِ والرّحمة. في زمنٍ يبدو فيه العيشُ معًا حُلُمًا بعيدِ المنال، يبقَى شعبُ لبنان، بدياناتِه المُختَلِفَة، مذَكِّرًا بقوّةٍ بأنّ الخوف، وانعدامَ الثّقةِ والأحكامَ المُسبَقَةِ ليست لها الكلمةُ الأخيرة، وأنّ الوَحدةَ والشّركة، والمصالحةَ والسّلامَ أمرٌ مُمكِن. إنّها رسالةٌ لم تتغيَّ ˚ر عبرَ تاريخِ هذِه الأرضِ: الشّهادةُ للحقيقةِ بأنّ المسيحيِّينَ والمسلمينَ والدّروزَ وغيرَهم كثيرين، يُمكِنُهُم أن يَعِيشُوا معًا ويَبنُوا معًا وطنًا يَتَّحِدُ بالاحترامِ والحوار.
فخامة الرئيس،
إنّ لبنان هو واقعٌ فريد، تجعل منه الحرّية والتعدّدية رسالةً إلى العالم. وكما قلتم مؤخرًا في كلمتكم أمام الجمعيّة العامّة للأمم المتّحدة، فإنّ لبنان هو بلدٌ يتعايش فيه المسيحيّون والمسلمون، وكلاهما متجذّر في هذه الأرض، "متساوين مع احتفاظ كلٍّ منهم بخصوصيّته، في ظلّ نظامٍ دستوريّ يضمن تمثيلًا عادلًا لكلا المجتمعين، تحت سقف المواطنة الكاملة." وبالتالي، لكي يكون لبنان على حقيقته، فهو بحاجة إلى جميع أبنائه. فلكلّ فرد مكانه في هذا الوطن، وعليه أن يجد الطريقة المناسبة للعيش ومواجهة التحدّيات من أجل مستقبله. إنّ كلَّ واحدٍ مدعوّ إلى أن يتقاسم غنى تاريخه وتقاليده الروحية والثقافية، التي يمكن للجميع الاستفادة منها، والتي تجعل هذا البلد فريدًا وثمينًا. وعلى كلّ واحدٍ مسؤوليّة الإسهام في صون هذا الكنز الذي لا يُقدَّر بثمن، من خلال العمل من أجل الوحدة والسلام. فلبنان هو، ويجب أن يبقى، مشروعَ سلام؛ دعوته هي السلام. إذ إنّ دعوته أيضًا أن يكون أرضَ تسامحٍ وتعدّديّة، تتعايش فيها الجماعات المتنوّعة، واضعةً الخيرَ العام ووحدةَ الوطن فوق كلّ اعتبار. لقد وُضِعت هذه الدعوة على مرّ السنين أمام اختباراتٍ قاسية بفعل الحروب والانقسامات، غير أنّها لا تزال تحدّيًا يُدعى لبنان إلى مواجهته يومًا بعد يوم. وفي هذا السياق، تبرز أيضًا أمثلةٌ عديدة للعيش المشترك ولروح المشاركة، تُناقِض النظرة المتشائمة التي لا ترى في هذا الوطن سوى ألوانٍ قاتمة. فلبنان بلدٌ منفتح، وشعبه محبّ للحياة، منفتحٌ، مضياف ويتوق إلى السلام.
فخامة الرئيس،
نحن المجتمعين هنا، من أعضاء السلك الدبلوماسي المعتمد في لبنان وممثّلي المنظّمات الدوليّة، نتمنّى لهذا البلد أن ينعم بالسلام، ونؤكّد لكم دعمنا من أجل بلوغه، مشجّعين جميع الجهود اللازمة لضمان وحدة هذا الوطن العزيز علينا، واستقراره وأمنه وتنميته.
وإلى فخامتكم، وإلى أسرتكم الكريمة، وإلى معالي وزير الخارجيةّ، وإلى سائر الشخصيّات الحاضرة، نتقدّم بأصدق تمنّياتنا بتمام الصحّة، والنجاح، والطمأنينة.
ليبارك الله لبنان، ليبارك الله أوطاننا، ليبارك الله صداقتنا. وشكراً لكم."