السوق العقارية في لبنان: ترقّب البائعين وحذر المؤجرين

رغم هشاشة وقف إطلاق النار الذي أُبرم بين إسرائيل وحزب الله وأنهى الحرب الأخيرة في تشرين الثاني ٢٠٢٤، فقد غذّى هذا الاتفاق لأكثر من عام نوعاً من التفاؤل الحذر، لكنه ملموس، لدى الجهات الفاعلة في السوق العقارية اللبنانية.

يستعيد غيوم بوديسو، المستشار في شركة «رامكو» للاستشارات العقارية، تلك المرحلة قائلاً: «بعد أي نزاع، تنشأ دينامية معينة بسرعة، رغم سيف الهدنة المعلّق. ارتفع الطلب والأسعار، خصوصاً في بيروت، وإن بقيت أدنى بنسبة ١٠ إلى ٢٠٪ مقارنة بمستويات ما قبل ٢٠١٩، عند احتساب الأسعار الثابتة. تباطأ ذلك خلال الصيف مع حرب إسرائيل-إيران في حزيران ٢٠٢٥ والخوف من حرب أهلية، لكنه سرعان ما عاد إلى الارتفاع».

غير أنّ استئناف الحرب في ٢ آذار ٢٠٢٦ غيّر هذا المسار. ويوضح وليد موسى، رئيس نقابة الوسطاء والاستشاريين العقاريين في لبنان، أنّ «عمليات البيع والشراء تراجعت بشكل كبير، رغم إعادة فتح دوائر المساحة بشكل غير منتظم في معظم المناطق. أما سوق الإيجارات، فتعاني من فوضى، وقد تزداد الأمور تعقيداً مع الضربات الأخيرة في مناطق كانت تُعدّ آمنة، مثل الدكوانة وعين سعادة في المتن».

ويشير إلى أنّ «الجنوب اللبناني، من الناقورة إلى جنوب صيدا، وكذلك شمال البقاع، حيث تتركّز العمليات العسكرية الإسرائيلية، بات خارج السوق عملياً. لم يعد بالإمكان الحديث عن سوق عقارية هناك». وقد أدّت العمليات العسكرية إلى نزوح نحو مليون شخص من هذه المناطق، فيما أصبحت دوائر عقارية في أقضية مثل بنت جبيل ومرجعيون غير متاحة، ما يربط مصير مساحات واسعة من الأراضي بنتائج الحرب.

صبر في السوق

في بيروت ومناطق أخرى، يسود الاتجاه نفسه. «عدد الصفقات قليل جداً، لكنه موجود. البائعون يسحبون عقاراتهم من السوق رافضين البيع بأسعار منخفضة، بينما يكتفي المشترون بالاستفسار دون الإقدام على الشراء»، يقول بوديسو. ويضيف أنّ الصفقات القليلة التي أُنجزت كانت مدفوعة بعوامل خاصة، وبأسعار قريبة من تلك التي سبقت الحرب.

ويلفت موسى إلى وجود حركة أكبر نسبياً في جبل لبنان. كما يشير مطوّر عقاري في كسروان، فضّل عدم الكشف عن اسمه، إلى «نشاط محدود في هذه المنطقة التي تُعتبر أكثر أماناً، إضافة إلى بعض الحركة في بيروت الكبرى (باستثناء الضاحية الجنوبية) والمتن». لكنه يوضح أنّ «المشكلة تكمن في صعوبة تحويل الأموال إلى لبنان لإتمام الصفقات، خصوصاً لدى بعض المشترين، وبينهم عدد من أبناء الطائفة الشيعية الذين نزحوا من المناطق المتضرّرة».

ومنذ تولّي حاكم مصرف لبنان مهامه قبل عام، جرى تشديد الرقابة على المؤسسات المالية غير المصرفية، استجابةً لمتطلبات مجموعة العمل المالي والضغوط الدولية. وقد أدّى ذلك، إلى جانب تراجع حركة الطيران، إلى صعوبة إدخال الأموال إلى البلاد.

ويتفق العاملون في القطاع على أنّ هذا الواقع سيستمر لأشهر إضافية، ما لم يحدث تطوّر كبير. ويختصر بوديسو المشهد قائلاً: «البائعون لا يريدون البيع بخسارة، المشترون مستعدون للانتظار، وكلا الطرفين اعتاد التفاوض تحت القصف». أما المشاريع قيد الإنشاء، فلا تزال مستمرة طالما تتوافر الموارد المالية واليد العاملة والمواد.

تراجع الثقة في سوق الإيجارات

في المقابل، يختلف وضع سوق الإيجارات. فقد ارتفع الطلب بشكل كبير على الشقق المفروشة، فيما بقيت الأسعار أكثر استقراراً للشقق غير المفروشة. إلا أنّ الفجوة تتسع بين المستأجرين الذين يبحثون عن عقود قصيرة (من شهر إلى ثلاثة أشهر) والمالكين الذين يفضّلون عقوداً أطول.

ويؤكد مطوّر عقاري أنّ الأسعار ارتفعت أكثر مما كانت عليه خلال حرب ٢٠٢٤، مدفوعة بزيادة الطلب الناتج عن النزوح، وبمحدودية العرض، حتى بالنسبة للشقق غير المفروشة.

لكن العنصر الأبرز الذي تغيّر منذ ٢٠٢٤ هو تراجع ثقة المالكين. ويوضح موسى أنّ «استهداف مناطق كانت تُعتبر آمنة، مثل الحازمية، ومقتل كاهن في بلدة القليعة، جعلا كثيرين يدركون أنّ المخاطر لا حدود لها، ما يدفعهم إلى رفض التأجير حتى بأسعار مرتفعة». كما يلفت إلى أنّ الانقسام السياسي حول أسباب الحرب يزيد من تعقيد الوضع.

ويضيف أنّ الضربات التي استهدفت الدكوانة وعين سعادة قد تكون مفصلية، إذ يخشى كثيرون من تأجير ممتلكاتهم خوفاً من المخاطر أو من ربطها بأنشطة أمنية أو عسكرية، خاصة بعد قرار مجلس الوزراء اعتبار هذه الأنشطة غير قانونية.

أزمة سكن مرتقبة

في الختام، يحذّر موسى من أنّ التحدّي الأكبر سيظهر بعد انتهاء الحرب. فسواء استمر الاحتلال الإسرائيلي في الجنوب أو لا، فإن الدمار الذي طال المساكن ونزوح أكثر من مليون شخص سيخلّفان أزمة سكن حادّة، خصوصاً عند إخلاء المدارس التي تُستخدم كمراكز إيواء. ويؤكد أنّ «لبنان يتّجه نحو أزمة سكن خطيرة في حال غياب دعم دولي».

يُذكر أنّ المديرية العامة للشؤون العقارية سجّلت في عام ٢٠٢٥ نحو ٧٠,٩٨١ عملية بيع بقيمة ٦,٢ مليارات دولار، بارتفاع كبير مقارنة بالعام السابق، إلا أنّ هذه الزيادة تعود بشكل أساسي إلى تسوية معاملات متراكمة منذ بداية الأزمة في عام ٢٠١٩.