المصدر: النهار
الكاتب: سلوى بعلبكي
الجمعة 12 حزيران 2026 08:32:50
يستقبل القطاع السياحي في لبنان موسم الصيف هذه السنة بكثير من الحذر وقليل من التفاؤل. فالقطاع الذي كانت بعول على الأشهر الصيفية لتعويض جزء من خسائره، يجد نفسه أمام مشهد ضبابي تفرضه التطورات الأمنية واستمرار التوتر في المنطقة. فعلى الرغم من اقتراب ذروة الموسم، لا تزال الحجوزات دون المستويات المأمولة، فيما يواصل أصحاب المؤسسات السياحية التأكيد أنهم خفضوا الأسعار إلى الحد الأدنى أملا في جذب الزوار وإنقاذ موسم يعول عليه لدعم الاقتصاد اللبناني.
بيد أن هذه الصورة لا تبدو متطابقة تماما مع ما يلمسه عدد من اللبنانيين الراغبين في تمضية عطلتهم داخل البلاد. إذ يشير كثيرون إلى أن أسعار الفنادق والمنتجعات والشاليهات ترتفع تدريجيا كلما اقترب فصل الصيف. ويستشهد بعضهم بحالات ارتفع فيها سعر الغرفة الواحدة خلال أيام أو أسابيع من نحو 250 دولارا إلى 350 دولارا لليلة الواحدة.
وقد يوحي مشهد امتلاء بعض الفنادق والشقق المفروشة في بيروت ومناطق أخرى بأن الموسم السياحي بدأ يستعيد زخمه، إلا أن الواقع أكثر تعقيدا. فجزء من هذا الإشغال لا يرتبط بسياح أو وافدين، بل بعائلات نزحت من مناطقها نتيجة الاعتداءات الإسرائيلية والتطورات الأمنية المستمرة. أما الحركة السياحية الفعلية، فلا تزال دون التوقعات بكثير، فيما يبقى العامل الأمني العنصر الأكثر تأثيرا في قرار السفر إلى لبنان أو قضاء العطلة فيه.
إشغال متدن وموسم دون التوقعات
يرسم أمين عام اتحاد النقابات السياحية جان بيروتي، صورة قاتمة للموسم الحالي، مؤكدا أن الفنادق خفضت أسعارها إلى الحد الأدنى، إلا أن ذلك لم ينعكس حجوزات فعلية. ويشير إلى أن وضع المنتجعات السياحية "أسوأ مما كان متوقعا"، وأن المؤشرات الإيجابية لا تزال غائبة حتى الآن، باستثناء بعض الإشارات المحدودة التي لا تكفي لتغيير الواقع القائم.
ويعتبر بيروتي أن السياحة ترتبط أولا وأخيرا بالاستقرار، وهو العنصر المفقود حاليا. فالسائح، سواء كان أجنبيا أو لبنانيا مقيما في الخارج، يتابع التطورات الأمنية قبل اتخاذ قرار السفر. لذلك فإن غالبية القادمين إلى لبنان خلال هذه المرحلة يزورون عائلاتهم ومنازلهم الخاصة، فيما تكاد الحجوزات الفندقية تكون معدومة.
وتنعكس هذه الصورة بوضوح على نسب الإشغال. ففي حين يفترض أن تسجل فنادق بيروت ومحيطها في مثل هذا الوقت من العام نسب إشغال تتراوح بين 70 و80 في المئة، لا تتجاوز النسبة حاليا 10 إلى 15 في المئة، فيما تتراوح خارج العاصمة بين 5 و15%، وتنخفض في بعض المناطق إلى حدود 2% فقط.
أما المنتجعات والشاليهات، التي تشكل عادة إحدى ركائز الموسم الصيفي، فتشهد بدورها تراجعا حادا في الطلب. ويؤكد بيروتي أن الشاليهات شبه خالية، وأن المناطق التي يفترض أن تستقطب المصطافين لا تشهد الحركة المعتادة. ويعزو ذلك إلى عاملين متلازمين: غياب الاستقرار الأمني من جهة، والأزمة الاقتصادية والاجتماعية التي حدت من قدرة اللبنانيين على الإنفاق من جهة أخرى.
الأسعار ليست المشكلة... بل غياب الطلب!
ورغم الصورة القاتمة، يلفت بيروتي إلى أن الأسعار أصبحت أكثر تنوعا وانخفاضا مقارنة بما يعتقده كثيرون. فأسعار الدخول إلى بعض المنتجعات البحرية تبدأ من خمسة دولارات فقط، فيما تتدرج بين 10 و15 دولارا وصولا إلى 40 و45 دولارا في المؤسسات الأعلى كلفة. كما أن العديد من الفنادق خفضت أسعار الغرف إلى مستويات متدنية نسبيا، إذ تراوح أسعار بعض الغرف بين 70 و80 دولارا، فيما يبلغ سعر الجناح الصغير نحو 100 دولار، وهي أسعار يعتبرها أقل بكثير من المعدلات السائدة في فنادق مماثلة حول العالم.
ويبدو أثر هذا الواقع واضحا على الإيرادات المتوقعة للقطاع. فبعد سنوات كانت العائدات السياحية تقترب فيها من 7مليارات دولار سنويا، يتوقع بيروتي أن يكون القطاع محظوظا إذا تمكن هذا العام من تحقيق نحو ملياري دولار، وربما أقل، ما لم تشهد البلاد تحسنا ملموسا ومستداما في الأوضاع الأمنية والسياسية.
النازحون يعوضون جزءا من الغياب السياحي
ولا يختلف واقع الشقق المفروشة كثيرا عن واقع الفنادق والمنتجعات، وإن كانت هذه المؤسسات تستفيد جزئيا من الطلب الناتج عن نزوح عائلات من المناطق المتضررة جراء الاعتداءات الإسرائيلية، ما يساهم في رفع نسب الإشغال بصورة موقتة لا تعكس نشاطا سياحيا حقيقيا.
ويؤكد نقيب أصحاب الشقق المفروشة زياد اللبان، أن القطاع وصل إلى مرحلة صعبة جدا، مشيرا إلى أن الحجوزات كانت شبه غائبة منذ بداية الموسم، قبل أن تزيد التطورات الإقليمية من تعقيد المشهد. ويقول إن إقفال بعض المطارات في المنطقة، ولا سيما مطار بغداد، انعكس سلبا على الحركة السياحية، خصوصا أن القطاع يعتمد بدرجة كبيرة على السياح العراقيين.
ويلفت اللبان إلى أن النازحين "يسدون الفراغ" إلى حد ما، فيما يقدم أصحاب المؤسسات تسهيلات ومساعدات لهم. وتراوح نسب
ة إشغال النازحين بين 40 و60% بحسب المنطقة ومستوى الأسعار.
لكن هذا الواقع، بحسب اللبان، لا يشكل حلا مستداما، إذ لا يحقق مردودا كافيا لا للنازحين ولا لأصحاب المؤسسات الذين يواصلون تحمل أعباء المازوت والمياه والخدمات والصيانة. ويضيف أن الدولة لا تقدم دعما فعليا للقطاع، بل تفرض عليه الضرائب والرسوم، فيما تبقى خدمات الكهرباء والبنى التحتية والخدمات البلدية دون المستوى المطلوب.