السياحة نبض حياة موقت في غياب الاستقرار ... 60 يومًا لا تكفي لإنقاذ اقتصاد

في بلدٍ اعتاد أن ينهض موسميًا على وقع الأعياد والعطل، ويعود لينكفئ مع أول اهتزاز أمني أو سياسي، تطرح السياحة في لبنان نفسها مجدّدًا كمرآة دقيقة لواقع الاقتصاد الوطني. بيْن طاقات كامنة قادرة على تحريك العجلة الاقتصادية خلال أيام معدودة، ونموذج اقتصادي هش يقوم على المواسم بدل الاستدامة، يقف القطاع السياحي عند مفترق حاسم: إمّا أن يتحوّل إلى رافعة اقتصادية حقيقية، أو أن يبقى أسير الأزمات المتكررة و "الفرص الضائعة".

في لبنان، لا تُقاس المواسم السياحية بالأشهر، بل بالأيام. أيامٌ قليلة تختصر تعب سنة كاملة، وتكشف في الوقت نفسه حجم القدرة على الحياة وسط الأزمات.

في هذا الإطار، يُقدّم المعنيون بالقطاع قراءة واقعية لأداء السياحة في لبنان، كاشفين بالأرقام والتجارب حدود النمو الموسمي، ومؤكدين أن الاستقرار الأمني والسياسي لم يعد مطلبًا نظريًا، بل أصبح شرطًا أساسيًا لأي اقتصاد قابل للحياة.

نموذج اقتصادي هش

يلفت الأمين العام لاتحاد النقابات السياحية جان بيروتي لـ "نداء الوطن"، إلى أنه "في ظل الظروف الاقتصادية والسياسية الراهنة شهدت السياحة في لبنان تحولات ملحوظة. هذا العام، كان عيد الميلاد مناسبة مميزة لزيادة النشاط السياحي بعد فترة طويلة من الانكماش. فقد شهد بعض المناطق حضورًا ملحوظًا للزوار، حيث حرص الناس على إحياء الاحتفالات داخل لبنان بعد أن كانت غالبًا خارج البلاد خلال سنوات الأزمة وجائحة كورونا. هذه الحركة لم تقتصر على الطابع الديني أو الاحتفالي، بل شكّلت أيضًا فرصة لإعادة تنشيط النشاط الاقتصادي والاجتماعي".

وهنا يُوضح أن "من أبرز الأحداث التي أسهمت في تعزيز هذا النشاط كانت زيارة البابا، والتي مثلت نموذجًا للحياة الثقافية والحضارية في لبنان، بعيدًا من الروتين المعتاد للاحتفالات. لبنان، بصفته البلد الوحيد في المنطقة الذي يستطيع الجمع بين التقاليد المسيحية والأجواء الحديثة، أثبت أنه قادر على تقديم تجربة سياحية متكاملة، رغم التحديات".

على مستوى التنظيم، يشير بيروتي إلى أن "هذه الفترة شهدت تنافسًا بين البلديات والمجتمع المدني على تقديم أفضل صورة للفعاليات السياحية، بما في ذلك تنظيم المهرجانات، وهو ما لفت الإعلام المرئي ووسائل التواصل الاجتماعي لنقل صورة متكاملة عن الحركة السياحية في البلاد، مما أسهم في جذب مزيد من الزوار".

وعن "الانتعاش" خلال فترة الأعياد، يتحدّث رئيس "نقابة أصحاب المطاعم والمقاهي والملاهي والباتيسري في لبنان" طوني الرامي، وإذْ يصف ما يمرّ به لبنان اليوم بـ "الخراب الاقتصادي"، يقول لـ "نداء الوطن": "والذي أراه في جوهره نتيجة هشاشة نموذجنا الاقتصادي واعتماده على مواسم قصيرة بدل استدامة حقيقية. فخلال صيف عام 2025، لم يتجاوز النشاط السياحي الفعلي نحو 45 يومًا، ما جعل الموسم محدودًا ومصيريًا في آن، خصوصًا في ظل الظروف الإقليمية التي سادت مع بداية الصيف وإقفال بعض المطارات. وقد انتهى الموسم بسرعة، بالتزامن مع بدء العام الدراسي في دول الخليج في الأول من أيلول، ما انعكس مباشرة على حركة الوافدين"، مشيرًا إلى أنه "لاحقًا، شهدنا فترة انتعاش محدودة خلال أعياد نهاية العام، امتدت تقريبًا من 18 كانون الأول حتى 3 كانون الثاني، أي نحو 15 يومًا فقط، شكّلت نافذة إيجابية على مستوى لبنان ككل، يمكن اعتبار نحو نصفها أيامًا جيدة اقتصاديًا".

3 دروس

يُضيف الرامي: "من هذه التجربة القصيرة، يمكن استخلاص ثلاثة دروس أساسية:

أولًا، تبيّن مدى أهمية القطاع السياحي وقدرته على تحريك الاقتصاد خلال فترات قصيرة، لا سيما من حيث مستوى الخدمات المقدّمة، وحسن الاستقبال، وجودة الضيافة، ما يعكس طاقة كامنة كبيرة لدى هذا القطاع.

ثانيًا، أظهرت هذه الفترة أن لبنان يمتلك قدرة استيعابية تمكّنه من استقبال أعداد أكبر من الزوار وضخ أموال إضافية في الاقتصاد، إلا أن الواقع أكد في الوقت نفسه أننا بلد الفرص الضائعة. فإذا كان هذا الأداء تحقق خلال 15 يومًا فقط، فكيف ستكون الحال لو توفر أمن واستقرار مستدامان على مدار السنة؟

ثالثًا، كشفت التجربة عن نقص حاد في البنية التحتية السياحية، بدءًا من تنظيم السير وخطط النقل، وصولًا إلى وضع الطرقات، لا سيما في المناطق الجبلية ومناطق التزلج. فلبنان يمتلك موسم تزلج واعدًا وميزة طبيعية نادرة، إلا أن ضعف التخطيط السياحي، وغياب التوجيه السياحي، وعدم اكتمال البنية التحتية، كلها عوامل تحول دون استثمار هذه المقومات بالشكل المطلوب".

وهنا يُشدّد الرامي على أن "غياب التخطيط السياحي المتكامل يجعل من الصعب استقطاب السياح العرب والأوروبيين بشكل منتظم، في ظل نقص الإرشادات السياحية، وعدم جهوزية الطرق الجبلية، وافتقار المناطق السياحية إلى رؤية واضحة لإدارة المواسم".

في الخلاصة، يُشير الرامي إلى أن "هذه الأيام الخمسة عشر أظهرت قوة لبنان السياحية الكامنة، لكنها في الوقت نفسه سلطت الضوء على حجم الهدر في الطاقات والفرص. فبدون استقرار أمني، وبنية تحتية حديثة، ورؤية سياحية واضحة، لا يمكن الحديث عن انتعاش سياحي مستدام، بل عن مواسم عابرة تكرّس واقع "بلد الفرص الضائعة".

الجنسيات الوافدة

عن الجنسيات التي كانت الأكثر حضورًا خلال الفترة الأخيرة، يُوضح الرامي أنها "كانت مقبولة ومتنوّعة، وشملت الزوار من مصر، الأردن، العراق، وسوريا، إلى جانب حضور خليجي كان موجودًا في مراحل سابقة ولكن بوتيرة أقل خلال هذه الفترة".

كلام الرامي يتقاطع مع بيروتي حيث يلفت إلى أنه "تمّ تسجيل حضور عربي واضح خلال موسم الاعياد، شمل زوارًا من جنسيات مختلفة، من بينها الخليجية، المصرية، الأردنية، العراقية والسورية، هذا الحضور لم يكن عشوائيًا، بل جاء نتيجة دور الإعلام اللبناني المرئي ومنصات التواصل الاجتماعي، الذي واكب واقع احتفالات عيد الميلاد وواكب صورة لبنان كمكان حيّ ينبض بالفعاليات والمهرجانات".

لدى سؤال الرامي عن وجود أرقام تقريبية لعدد السياح، يقول: "نحن نعيش اليوم ضمن هامش أرقام تفرضه طبيعة الواقع القائم، إذ إن الدولة لا تزودنا بأرقام رسمية دقيقة ومتكاملة، ما يجعل هذه الأرقام تقديرية بطبيعتها. غير أن هذه التقديرات لم تعد مجرد أرقام تقنية، بل تحوّلت إلى مؤشر أساسي في قراءة الأداء الاقتصادي".

غياب الاستقرار 

يوضح الرامي أن "السياحة في لبنان تتسم بطابعها الموسمي، ويعود ذلك إلى أن الاقتصاد اللبناني يعتمد إلى حدّ كبير على المواسم السياحية لتحريك النشاط الاقتصادي. غير أن هذا النموذج يبقى هشًا، إذ لا يمكن تحقيق اقتصاد مستدام أو سياحة مستدامة في ظل غياب الاستقرار الأمني والسياسي".

في الواقع الراهن، يلفت الرامي إلى أن "لبنان يمرّ بحالة من التوتر الأمني تتفاوت حدّتها بين التصعيد والتهدئة، ما ينعكس مباشرة على صورته السياحية في الخارج".

وعلى هذا الأساس، يرى أنه "من الصعب اليوم تصنيف لبنان كـوجهة سياحية مستقرة (Tourism Destination)، رغم امتلاكه مقومات طبيعية وثقافية مميّزة. فالفارق واضح بين امتلاك عناصر الجذب السياحي وبين القدرة على تحويلها إلى وجهة آمنة وقابلة للاستقطاب على مدار العام"، لافتًا إلى أن "هذا الواقع يُترجم من خلال تحذيرات السفر الصادرة عن عدد من الدول، والتي تحدّ من تدفق السياح الأجانب وتُبقي النشاط السياحي محصورًا بفترات قصيرة وغير منتظمة، بدل أن يكون جزءًا من استراتيجية اقتصادية طويلة الأمد".

هل من تفاؤل؟ يُجيب الرامي: "بالنسبة لنا، من دون أن نلمس استقرارًا أمنيًا وسياسيًا فعليًا على أرض الواقع، لا يمكن الحديث عن تفاؤل حقيقي. فالتفاؤل موجود من حيث المبدأ، وكذلك الأمل، لكنهما يبقيان نظريين ما لم يُترجما بإجراءات ملموسة تعيد الثقة وتوفر بيئة مستقرة".

من جهته، يرى بيروتي أن "لبنان عاش خلال فترة الأعياد مهرجانًا واسع النطاق حول عيد الميلاد، شمل أنشطة واحتفالات متعددة، ما عزز صورته كوجهة قادرة على استقطاب الزوار رغم الظروف. العرب في الخارج يراقبون عن كثب الشاشات اللبنانية، ويتابعون وسائل الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي، وهذا يخلق لديهم رغبة فعلية في زيارة لبنان والمشاركة في هذه الأجواء".

إلا أن المشكلة الأساسية تكمن في أننا، "كدولة، لا نحسن دائمًا اتخاذ الخيارات الصحيحة"، وفق ما يشير بيروتي.

ويؤكّد بيروتي أن "لبنان يمتلك ميزة نادرة على مستوى المنطقة، فهو المكان الذي يمكن للناس فيه أن يعيشوا التجربة بالكامل، من الثقافة والترفيه إلى الاحتفال والتفاعل الاجتماعي. هذه الأجواء الصاخبة والمليئة بالحياة تجعل لبنان وجهة مميزة تجذب الزوار بشكل متكرر على مدار السنة، خصوصًا أولئك الذين كانوا بعيدين عن البلاد في السنوات السابقة نتيجة الأزمات الاقتصادية أو القيود الإقليمية".

الاستقرار شرط التعافي

"اليوم، يبدو أن المرحلة الأهم بالنسبة للبنان"-حسب بيروتي- هي "الانتقال من زمن الصراعات والموت إلى زمن الحياة والبناء. العالم اليوم يتجه تدريجيًا نحو حل النزاعات والتعاون المشترك، سواء بطريقة مباشرة أو غير مباشرة".

وهو ما يؤكّد عليه الرامي أيضًا، حيث يُشدّد على أن "الرهان الأساسي يبقى على تحقيق استقرار أمني وسياسي فعلي، كشرط ضروري لبناء اقتصاد سياحي مستدام قادر على الاستفادة من المقومات الطبيعية والثقافية التي يمتلكها لبنان. فالبلد لا يعاني من نقص في التنوع أو الإمكانات، بل من هدر مستمر للفرص، ما يجعله نموذجًا لما يمكن تسميته بـ "بلد الفرص الضائعة"، مُشيرًا إلى أن "الخطوة الأساسية القادمة تكمن في إثبات الوجود في ظل استقرار أمني وسياسي حقيقي، إذ لا يمكن للقطاع السياحي أو الاقتصاد بشكل عام أن يحقق نموًا مستدامًا من دون بيئة مستقرة توفر الأمان والثقة للمستثمرين والزوار على حد سواء".

الاستثمار في القطاع السياحي

عن معاناة المطاعم يتحدّث الرامي، ويقول: "من غير الممكن لأي مطعم أو مؤسسة سياحية أن تعمل بشكل منتظم على مدار السنة في ظل الواقع القائم. فعليًا، ينحصر النشاط خلال فترات محدودة لا تتجاوز 45 يومًا في مرحلة معيّنة و15 يومًا في مرحلة أخرى، أي ما يقارب 60 يوم عمل فعلي من أصل 360 يومًا. وفي هذا الإطار، يصبح الهدف الأساسي ليس تحقيق نمو مستدام، بل الحفاظ على الاستمرارية وإثبات الوجود".

ويردف قائلًا: "قد تمكّن القطاع من إثبات هذا الوجود خلال موسم الصيف، كما خلال فترة الأعياد، إلا أن ما جرى يندرج ضمن إطار إدارة الأزمات أكثر مما هو نتاج دورة اقتصادية طبيعية. هذه الإدارة تتكرر موسمًا بعد موسم، في ظل غياب رؤية واضحة واستقرار طويل الأمد. ورغم كل التحديات، لا يمكن تجاهل الدور الذي يلعبه العاملون في القطاع السياحي، من أصحاب مؤسسات وروّاد أعمال، الذين يواصلون الاستثمار وابتكار أفكار سياحية جديدة، ما يساهم في إبقاء هذا القطاع حيًا ولو بالحد الأدنى، ويحافظ على دورة اقتصادية جزئية في ظل ظروف استثنائية".

يُضيف: "هناك اليوم مستثمرون جديون يتمتعون بالملاءة المالية والكفاءة، لا يزالون يقدمون على فتح مطاعم ومؤسسات سياحية. كما إن فئة من المستثمرين الذين احتفظوا بسيولتهم منذ عام 2019 بدأت تتجه إلى استثمار أموالها في هذا القطاع، باعتباره من القطاعات القليلة القادرة على تحقيق حركة نقدية سريعة".

إلا أن هذا التوجّه - حسب الرامي- "يبقى سيفًا ذا حدّين. فبحسب التقديرات، فإن نسبة النجاح لا تتجاوز 20 % من هذه الاستثمارات، فيما يواجه القسم الأكبر تحديات كبيرة تتعلق بتقلّب المواسم، وارتفاع الكلفة التشغيلية، وغياب الاستقرار، ما يجعل المخاطر مرتفعة رغم توفر السيولة".

ضعف الطبقة الوسطى 

يتطرّق الرامي إلى "معضلة أساسيّة"، وهي أن "الحركة الاقتصادية في نهاية الأسبوع، والتي تقتصر غالبًا على فئة محدودة من المستهلكين، تشير إلى ضعف الطبقة الوسطى في لبنان. وبدون هذه الطبقة الحيوية، يصبح من الصعب بناء اقتصاد مستدام أو تشغيل القطاع السياحي بشكل منتظم. فالطبقة الوسطى هي المحرك الأساسي للاقتصاد، وغيابها يحدّ من قدرة السوق على الاستمرار والنمو".

لذلك، الأولوية القصوى هي "إعادة بناء الطبقة الوسطى من خلال سياسات اقتصادية واجتماعية واضحة، إلى جانب وضع تشريعات سياحية تحمي القطاع من الممارسات غير القانونية أو التدخلات العشوائية. هذه التشريعات يجب أن توفر بيئة عمل مستقرة للمستثمرين وتضع قواعد واضحة لضمان حقوق القطاع وفعالية الإجراءات التنظيمية"، وفق ما يؤكّد الرامي.