"الشؤون" تقصي الأحزاب: أمن النازحين وكرامتهم في عهدة الدولة

تحاول وزارة الشؤون الاجتماعية تثبيت فكرة أن الدولة هي الحاضنة الوحيدة للنازحين، لمنع استغلال الأحزاب لموارد الدولة وتوزيع المساعدات الدولية باسمها على المتضررين. في المقابل تسعى الأحزاب المتضررة للحفاظ على دورها في توزيع المساعدات على النازحين وإيهامهم أنها مساعدات حزبية، فتظهر الدولة بنظر النازحين غائبة عن معاناتهم اليومية. 

 

البقرة الحلوب

لطالما تعاملت الأحزاب مع وزارة الشؤون على أنها بقرة حلوب لتوزيع الغنائم، لا سيما أنها أهم وزارة خدماتية. وفي ظل الحصار الذي يتعرض له لبنان على مستوى الدعم الدولي، باتت "الشؤون" الوزارة الوحيدة القادرة على استقطاب المساعدات لدواعٍ إنسانية، حتى لو أن هذه المساعدات تعتبر زهيدة قياساً بالتجارب المماثلة التي مرت على لبنان منذ العام 1996 وصولاً إلى حرب العام 2006. ومع أزمة النزوح الحالية، التي لم تستقر على أفق محدد بعد، كشّرت الأحزاب عن أنيابها، ولا سيما الثنائي الشيعي، لتكريس دورها في إغاثة النازحين، كما كان يحصل سابقاً. حينها كان يعود النازحون إلى بيوتهم شاكرين أحزابهم على المساعدات، ويلقون اللوم على الدولة لعدم الوقوف إلى جانبهم. 

 

الدولة لا الأحزاب

في كل الحروب السابقة كانت الأحزاب تستلم مراكز الإيواء سواء عبر ما يعرف بـِ "الرابط الحزبي" أو عبر جمعيات إغاثية تابعة للأحزاب. ويكون "الرابط" من أبناء المنطقة التي نزح منها السكان أو مسؤولاً حزبياً. فتوزّع المساعدات، التي تأتي للدولة، عبر الأحزاب. وتظهر الأخيرة الحاضن الوحيد للنازحين. 

 

تغيرت هذه المقاربة إلى حد بعيد مع وزيرة الشؤون الاجتماعية حنين السيد. أصرّت الأخيرة على تثبيت فكرة الدولة كحاضنة للنازحين ورفضت تسلم الرابط الحزبي مراكز الإيواء. نجحت في مختلف المناطق في لبنان باستثناء بيروت وتحديداً في مناطق زقاق البلاط والخندق الغميق والباشورة... فقد سارع مسؤولون في حركة أمل إلى كسر أقفال أكثر من مدرسة خاصة (لم تكن ضمن مراكز الإيواء المحددة من وحدة إدارة الكوارث) ووزعوا عليها النازحين، وتسلم الرابط الحزبي إداراتها. 

 

إدارة مراكز الإيواء

في خطتها لإدارة مراكز الإيواء من خلال الوزارة مباشرة، قررت وزارة الشؤون تسليم المراكز لموظفين متعاقدين مع الوزارة. وبهذه الطريقة تثبّت الوزارة فكرة دعم الدولة للنازحين لا القوى الحزبية التي كانت توزع موارد الدولة. والأهم وضع مسؤولين عن المراكز والمشرفين على توزيع المساعدات من طوائف أخرى غير الشيعة، لعدم تكريس "غيتوات" مغلقة. هذا فضلاً عن ابعاد أي تهديد أمني قد يطال أي مركز. فإسرائيل تكرس الشقاق الأهلي بين النازحين والمجتمعات المضيفة من خلال الاستهدافات أو التهديد بالاستهداف في مناطق مختلطة طائفياً، وأفضل طريقة لحماية النازحين في مراكز الإيواء تسلم الدولة مسؤولية إدارتها، لا من خلال "الرابط" الحزبي، الذي قد يعرض وجوده النازحين لمخاطر أمنية.   

شكلت وزارة الشؤون فريقاً يضم مئات الموظفين المتعاقدين في مشاريع "أمان" وبرنامج "العائلات الأكثر فقراً". ووظيفة هؤلاء إدارة توزيع المساعدات في مراكز الإيواء. وهم شبه متطوعين. إذ جل ما سيحصلون عليه حوافز بمبالغ زهيدة لن تتخطى 150 دولاراً في الشهر. أما تغطية هذه الكلفة فلن تكون من خزينة الدولة بل من برنامج الأمم المتحدة الإنمائي.  

 

عملياً تنقسم إدارة مركز الإيواء إلى شقين، واحد تتولاه وزارة الشؤون والثاني وزارة التربية. وزارة التربية تدير المبنى عبر مدير المدرسة والناظر والحارس، الذين يشرفون على الأمور اللوجستية، وقد أمّنت لهم الوزارة حوافز يومية عبر الأمم المتحدة. ووزارة الشؤون تدير المركز لناحية الإشراف على المراكز ضمان وصول المساعدات لجميع النازحين بشفافية وعدالة. 

 

الممانعة الحزبية قائمة وتترقب الفرصة لإعادة عقارب الساعة إلى الوراء. نجح البعض في بعض المناطق. لكن للمرة الأولى تقوم الدولة بدورها مباشرة في مساعدة النازحين. ويبقى أن معيار الفشل أو النجاح يكمن في قدرة وزارة الشؤون على تثبيت فكرة الدولة الحاضنة للنازحين. فهل تنجح "الشؤون" في مسعاها، أم سيعود النازحون ويشكرون أحزابهم على العطاءات ويلعنون الدولة ويسألون: "وينيّة الدولة؟"