المصدر: النهار
الكاتب: نبيل بو منصف
الأربعاء 16 أيلول 2026 07:24:55
كان أكثر ما يجذبنا في أحاديث كبير الصحافة اللبنانية والعربية وعميد "النهار" غسان تويني حين يبحر في رواية وقائع رفقته للرئيس الساحر كميل شمعون. كان انجذاب تويني إلى شمعون هائلا، وبلغت وحدة حال صداقتهما أن تويني كان يروي عن "كميل" ويسميه بلا لقب الفخامة والرئاسة، بلا تعريف، هكذا كالنجوم الأيقونيين. تويني كان شغوفا بالصيغة اللبنانية "الفذة" التي صاغ الكثير منها هو في "قيادة" الرأي العام اللبناني "أيام العز"، سلما وصراعات وحربا أيضا، ولذا لم تملأ معاييره الصارمة العالية سوى قامات بحجم كميل شمعون وريمون إده.
مقدمة لا بد منها للاستدلال من سيرة كبيرعلى ما كانت عليه "الشمعونية" من رسوخ عميق وواسع في زمن الاستقلال الأول، امتدادا إلى زمن الصراع السيادي مع الحرب الكبيرة، بلوغا إلى "ثورة الأرز"، ولو تضاءل حجمها وتراجع انتشارها، من دون أن يعني ذلك إمكان القفز فوق تاريخ حقبات مفصلية كانت الشمعونية لاعبا كبيرا فيها.
إذ يرحل دوري شمعون عن تسعة عقود ونيف من عمره، تطوى معه صفحة الشاهد المخضرم الأطول حضورا ومشاركة وشهادة على زمن التوهج الشمعوني والتبدلات الجذرية اللبنانية عموما والمسيحية خصوصا، وكأنه المؤرخ واللاعب والشاهد، ومن ثم الزعيم الوارث لما كان عليه أيقونة الزعامة اللبنانية قاطبة، أي والده الرئيس كميل شمعون.
اتصفت الشمعونية تاريخيا وحتى حقبة متقدمة من الحرب في السبعينيات، بعبورها الطائفي فعلا، فكانت مثلا قواعدها الشيعية ناطقة حية برموز من العائلات الشيعية العريقة، فضلا عن بيئات شيعية وسنية "عادية"، إلى جانب تمثيل ماروني مسيحي راسخ. مع ذلك، تحولت الشمعونية مع اتساع الحرب اللبنانية الفلسطينية السورية إلى حزب مقاتل ميداني بالكامل، شاطر قوات بشير الجميل الكتائبية الجبهات المفتوحة.
وإن ننسَ فلا ننسَ الرئيس شمعون في شوارع الأشرفية المدمرة يتحدى حافظ الأسد ويتوعده بالطرد المذل من لبنان . كان ذلك في حرب سميت حرب المئة يوم، وكانت الأشرس إطلاقا في حرب إبادية شنها جيش حافظ الأسد على المناطق المسيحية، وكان دوري شمعون آنذاك يتولى الإدارة السياسية للمواجهة، فيما قوات حزب الأحرار بقيادة داني شمعون تخوض المواجهات إلى جانب قوات بشير الجميل. كان دوري شمعون صلبا وقاسيا ومباشرا في التعبير حين كان يهاجم عهد الرئيس إلياس سركيس، إلى جانب حملاته الشرسة على الاحتلال السوري. لم يتبدل معيار التعبير لديه منذ تولى زعامة الحزب عقب الاغتيال الوحشي لداني شمعون وعائلته، حيث ظل على زعامة الشمعونية سحابة ثلاثة عقود ونيف.
ما زاد على دوري شمعون الشريك والركن والرفيق والزعيم ، في تجارب "لقاء قرنة شهوان" وتحالف 14 آذار، أن تعبيره المباشر الحاد اقترن بظرف وسخرية طبعا خطابا كان يستحضر كل موروثات الشمعونية، حتى للذين لا يعرفون كثيرا أو أبدا أو جزئيا تأثيرها، كما تأثير زعامات كبيرة ككتائب بيار الجميل واشتراكية كمال جنبلاطوصلابة مبدئية كتلة ريمون إده، ناهيك بـ"نهج" الشهابية، قبل أن تطلّ موجات محدثة ساحقة لحزب "القوات اللبنانية" والتيار العوني. بصرف النظر عما آلت إليه الشمعونية راهنا، يحرض رحيل قطب ورمز كبير من أقطابها وشهودها على الماضي والحاضر، على المقاربات والمراجعات التاريخية بين ذاك اللبنان الذي كان ولبنان "الجاري" صياغته برعب كبير، وكأن الشمعونية، هي الأخرى، تقف مودعة لبنانها ولبنان الذي ذهب مع زعاماتها التاريخية...