العالم يواجه نقصاً غريباً... ماذا يحدث للبخور؟

يعود البخور إلى قلب التاريخ الديني والتجاري في منطقة الشرق الأوسط مهد الأديان والحضارات. فقد رافق المعابد القديمة والطقوس الروحية وقوافل التجارة التي عبرت الصحارى والبحار، حتى صار رمزاً للحضور المقدس وللاقتصاد معاً. لكن هناك سؤال يفرض نفسه اليوم وهو، هل يمكن أن ينفد هذا المورد الذي يبدو في ظاهر الأمر بسيطاً ومتجدداً؟

الإجابة ليست حاسمة بنعم أو لا، لكنها تميل إلى أن العالم لن يفقد البخور بالكامل في المدى القريب، غير أن المصادر الطبيعية التي يعتمد عليها هذا المنتج مهددة بالفعل بالانقراض، وإذا استمرت الاتجاهات الحالية قد نشهد تراجعاً كبيراً في إنتاجه وارتفاعاً عظيماً في سعره خلال هذا القرن.

القيمة الدينية للبخور

منذ العصور القديمة ارتبط البخور بالعبادات والروحانيات في مختلف الديانات والثقافات. فتصاعد دخانه العطر كان يرى رمزاً لارتقاء الدعاء والتطهر الداخلي، ويستخدم في المعابد والكنائس والمساجد والطقوس الشعبية لإضفاء شعور بالسكينة والرهبة. وفي التقاليد الشرقية، مثل البخور وسيلة لتهيئة المكان والقلوب للعبادة، وتذكيراً بحضور يتجاوز العالم المادي. لذلك لم يكن مجرد مادة عطرية، بل جزءاً من تجربة روحية عميقة ما تزال مستمرة حتى اليوم.

 

شجرة مقدسة… في خطر حقيقي

البخور في جوهره، هو راتنج عطري. والراتنج مادة طبيعية لزجة تفرزها بعض الأشجار، كنوع من الحماية عندما تجرح أو تصاب. تخرج المادة أولا شبه سائلة، ثم تتصلب مع الوقت لتصبح شفافة أو مائلة للون العسلي. وأشهرها أنواع هذه الاشجار منتشرة في سلطنة عُمان واليمن والصومال وإثيوبيا، إضافة إلى بعض مناطق السودان والهند. تعيش هذه الأشجار في بيئات قاسية، على منحدرات صخرية أو أراض شبه قاحلة، ما يجعل تجددها الطبيعي عملية معقدة وحساسة.

تتم عملية الاستخراج كما ذكرنا، عبر إجراء شقوق محدودة في قشرة الجذع أو الأغصان الرئيسية، فتفرز الشجرة مادة لزجة، تتيبس مع الوقت وتجمع لاحقاً. وكلما زاد عدد الشقوق وتكرر العملية في الموسم نفسه، يزيد الإنتاج على المدى القصير، وذلك ما يرهق الشجرة ويضعف قدرتها على التعافي والإنتاج. 

 

دراسات ميدانية في إثيوبيا والصومال تشير إلى أن كثيراً من غابات أشجار البخور تتكون أساسا من أشجار هرمة، بينما تبدو الأشجار الصغيرة نادرة أو شبه غائبة، ما يعني أن الجيل القادم من الغابات غير مضمون. كما أن بعض الأنواع بات مصنفا مهددا بالانقراض على القوائم الدولية، مع تحذيرات من ارتفاع مخاطر الانقراض إذا لم تتغير طرق الإدارة والحصاد.

 

عوامل تدفع البخور نحو الندرة

صورة تدهور أشجار البخور لا تختزل في عامل واحد، بل هي نتيجة تفاعل مجموعة من الضغوط المتزامنة. أول هذه الضغوط هو الاستنزاف المفرط بالانتاج، حيث يتعامل بعض مجمعين البخور مع الشجرة بوصفها مصدر دخل عاجل يجب الضغط عليه إلى أقصى حد، فيضاعفون عدد الجروح ومواسم الحصاد، تحت وطأة الفقر وارتفاع الطلب في الأسواق العالمية.

في المقابل، يؤثر الرعي الجائر مباشرة في فرص تجدد الغابات، فالحيوانات التي تعتمد على الرعي، وخصوصاً الماعز والإبل، تتغذى على شتلات الاشجار الصغيرة التي بالكاد تبدأ في النمو، فتفقد الغابة قدرتها على تعويض ما تخسره من أشجار كبيرة. وإلى جانب ذلك، تشهد مناطق انتشار البخور تحويلاً متسارعاً للأراضي نحو الزراعة أو العمران والرعي المكثف، إضافة إلى الحرائق وقطع بعض الأشجار لاستخدامها وقوداً أو أخشاباً.

ويأتي تغير المناخ ليزيد المشهد تعقيدا. فارتفاع درجات حرارة الارض، وتكرار موجات الجفاف، وعدم انتظام الأمطار، كلها عوامل تضغط على أشجار المنتجة للبخور التي تعيش أصلاً في حدود قدرتها على الاحتمال. في هذه الظروف، يصبح كل جرح إضافي وكل موسم حصاد مكثف خطوة أخرى في اتجاه إضعاف البقية الباقية من الغابات.

 

إذن، هل سينقرض البخور؟

لا تزال هناك مناطق زراعية تظهر فيها أشجار البخور قدراً من الصمود، خاصة في بعض المواقع المحمية في سلطنة عُمان والقرن الإفريقي تحديداً في ارض الصومال، حيث تحاول السلطات أو المجتمعات المحلية تنظيم الحصاد. ولهذا يصعب الحديث عن انقراض كامل في الأفق القريب. ومع ذلك، فإن التوقعات العلمية تميل إلى التحذير من تدهور كبير في عدد الاشجار إذا بقيت أمور الإنتاج على حالها.

 

ففي نماذج أعدها باحثون اعتماداً على مراقبة نمو الأشجار ومعدلات موتها تشير إلى أن بعض الغابات قد تفقد أكثر من نصف أشجارها خلال العقود المقبلة، وربما تصل الخسارة في سيناريوهات متشائمة إلى مستويات أعلى بكثير. هذا لا يعني اختفاء شجر البخور بشكل مطلق، لكنه يعني أن الكميات المتاحة تجارياً وجودة الراتنج نفسه قد تتراجع على نحوٍ حاد، وهذا ما ينعكس على الأسعار وعلى المجتمعات التي تعتمد عليه مصدراً رئيسياً للدخل.

 

طريق النجاة، حصاد مستدام وتجارة أكثر عدلاً

السيناريو المتشائم ليس قدراً محتوماً. فعدة مبادرات محلية ودولية بدأت بالفعل في العمل على تطوير أساليب حصاد أكثر توازناً، تقوم على تقليص عدد الشقوق في الشجرة، وتحديد مواسم محددة للقطع، ومنح الأشجار فترات راحة تستعيد خلالها قدرتها على النمو. في بعض المناطق، بدأت برامج تجريبية لتحديد حصص حصاد سنوية لكل مجموعة من الأشجار، وربط ذلك بمتابعة علمية لصحتها وتجددها.

من ناحية أخرى، تسعى مشاريع إلى دمج المجتمعات المحلية والتي تعتاش على انتاج البخور في إدارة الموارد بطريقة تشاركية، بحيث يحصل المجمعون للبخور على أسعار أفضل مقابل التزامهم بمعايير الاستدامة، بدل أن يتحملوا وحدهم تكلفة تقليل الإنتاج. كما تعمل منظمات غير حكومية وشركات متخصصة على تطوير سلاسل توريد شفافة، تسمح بتتبع البخور من الشجرة إلى المستهلك، بما يفتح المجال أمام أنظمة شبيهة بالتجارة العادلة في هذا القطاع.

في النهاية، ليست قضية البخور مجرد قصة مادة عطرية تهددها الندرة، بل مرآة لطريقتنا في العيش. ما يحدث في غابات البخور اليوم هو نداء هادئ ترفعه الأشجار، تذكرنا أن عطر البخور الذي يعلو إلى السماء يبدأ من جذور على الأرض تحتاج إلى عناية. حتى تظل هذه الرائحة الطيبة التي رافقت صلوات البشر ويبقى عطر البخور يهمس في أرواحنا بمزيد من السلام.