المصدر: النهار
الكاتب: عباس صباغ
الجمعة 12 حزيران 2026 08:48:36
لم يعد جنوب لبنان كما كان. فالاعتداءات المتواصلة لا توفر مدينة أو بلدة جنوب نهر الزهراني، والأخطر في تجريف البلدات اللبنانية بما لا يترك منها أي أثر. وإضافة إلى المباني السكنية والمؤسسات التجارية والمستشفيات ودور العبادة، فإن المؤسسات السياحية كانت أهدافاً للعدوان الإسرائيلي الذي أعدم قطاع السياحة في الجنوب كليّاً.
من وادي الحجير إلى الناقورة والبياضة
في مثل هذه الأيام، كان شاطئ مدينة صور يعج برواد البحر، وخصوصاً أن ساحل المدينة التاريخية يعدّ واحداً من أكثر الشواطئ ملاءمة للسباحة لجهة انعدام نسبة التلوث وجمال شاطئه الرملي.
لكن "صور أخرى" قفزت إلى الواجهة، حيث يتباهى جيش الاحتلال بنشر مشاهد لتدمير البلدات اللبنانية الخالية من سكانها. واللافت أنه تعمد نشر فيديوات وصور لتدمير المطاعم والفنادق جنوبا، ولا سيما في الناقورة والبياضة.
"مطعم أمواج البياضة" و"السفينة" الشهيران في البياضة باتا أثراً بعد عين، وفنادف الناقورة دُمرت كليا، علماً أن "اليونيفيل" المتمركزة بالقرب من أحد الفنادق الشهيرة في الناقورة اعترضت على عملية نسفه، وقد استقدم جيش الاحتلال الجرافات الضخمة وهدمه وحفر الطريق المؤدية إلى الناقورة بحيث لم يعد في الإمكان سلوكها في شكل طبيعي.
الإجهاز على المنتحعات السياحية امتد إلى وادي الحجير، بعدما كانت تلك المنطقة عامرة بالمطاعم والشاليهات والمقاهي والاستراحات، ولم يعد من أثر هناك لكل المنتجعات، أسوة بمثيلاتها على طول الليطاني في منطقة النبطية.
بدورها لم تسلم الشاليهات في بنت جبيل والخيام وغيرهما. حتى المسابح التي أقامتها البلديات تم تفجيرها، ومنها المسبح البلدي الذي افتتحه اتحاد بلديات بنت جبيل قبل نحو عام.
لا أرقام نهائية
ليس لدى وزارة السياحة إحصاء لعدد المنتجعات التي دمرها العدوان، لسببين: الأول هو استمرار التدمير والتجريف والغارات، والثاني تعذر الوصول إلى تلك الأماكن لمعاينتها.
لكن الواقع والصور الجوية تظهر إعدام السياحة في الجنوب، علما أن إعادة إعمار ما دُمر سيستغرق سنوات.
والواقع أن نسف البنى التحتية السياحية بدأ مع استهداف الجسور فوق مجرى الليطاني، وخصوصاً جسري برج رحال والقاسمية، إضافة إلى طرفلسيه والزرارية وغيرهما، ما قطع شريان السياحة، وأخرج مئات المنتجعات السياحية على ضفاف الليطاني من خريطة لبنان.
وبحسب تقديرات وزارة السياحة قبل عام 2023، كان في الجنوب ما يقارب الـ200 منشأة سياحية بين فندق وشاليه وموتيل، ووصلت نسبة الدمار الكلي والجزئي فيها إلى نحو 65 في المئة. وفي هذا العام دُمر ما نسبته نحو 50 في المئة، وتركز التدمير على الساحل في منطقة صور وضفاف الليطاني.
وفي الناقورة، دُمرت كل الشاليهات والفنادق والمطاعم، والأمر ينسحب على البياضة مروراً بشمع التي لم تسلم مواقعها السياحية والأثرية من آلة الهدم الإسرائيلية.
أما في الخيام، فمٌسحت الشاليهات والمتنزّهات على نبع الدردارة، وفي منطقة بنت جبيل مُحيت المطاعم الريفية والشاليهات والشقق المفروشة، والأمر ينسحب على بلدات كفرصير وقعقعية الجسر وعربصاليم وغيرها.
لحود: الحل في المفاوضات
تؤكد وزيرة السياحة لورا لحود لـ"النهار" أن الوضع الأمني في لبنان لا يصيب الفنادق والمطاعم فقط، بل السلسلة الاقتصادية كلها التي تعتاش من الحركة السياحية، من النقل وتأجير السيارات ومصادر المواد الغذائية والخدمات والتجارة الموسمية والعمل الحر.
وتوضح أنه "عندما تتوقف السياحة، لا نخسر إيرادات منشآت بعينها فقط، بل يتراجع تدفق السيولة على شبكة واسعة من الأنشطة المرتبطة بها مباشرة ومداورة. فقدرة القطاع على الإنقاذ الذاتي تبقى قائمة كما كانت دائماً، ولنا ملء الثقة بذلك، لكنها تواجه تحديات حقيقية. السياحة اللبنانية مرنة تقليديا، لكنها ليست قادرة وحدها على امتصاص حرب مفتوحة أو صدمة إقليمية ترفع كلفة السفر والتأمين والطاقة".
أما عن الخسائر، فتقول إن "تقديرات وزارة الاقتصاد تتحدث عن خسائر تراوح بين 60 و80 مليون دولار في مرحلة التصعيد، لكن هذا الرقم يخص الاقتصاد الأوسع ولا يمثل خسائر السياحة وحدها. التقديرات تشير إلى أن الكلفة التراكمية للحرب الحالية بلغت ما لا يقل عن 10 مليارات دولار حدا أدنى. لذلك، أي رقم يومي دقيق خاص بالسياحة وحدها سيكون في هذه المرحلة أقرب إلى التخمين منه إلى التقدير المهني الصلب".
وتلفت إلى أن الضغوط على الوضع الاقتصادي تصيب قطاع السياحة وتؤدي إلى تراجع ثقة السائح بلبنان.
وعن الخسائر في القطاع السياحي جنوبا، توضح لحود أن "الأرقام ترد من النقابات، لكن الأوضاع تتبدّل يومياً. حتى أرقام النقابات ليست على شكل جداول رسمية مفصّلة. لذلك يجب التعامل معها كمؤشرات للمسار الذي تسلكه الأوضاع، لا كإحصاء رسمي نهائي. وهي مدعاة لقلق حقيقي خصوصاً مع تعذر الوصول إلى أماكن عديدة لإجراء كشف ميداني".
وتشير إلى أن "الحل الوحيد للإنقاذ هو وقف الحرب والمضي قدماً على طريق السلام والمفاوضات التي يقودها رئيس الجمهورية جوزف عون ورئيس الحكومة نواف سلام (...)".