المصدر: النهار
الكاتب: اسكندر خشاشو
الأحد 4 تشرين الأول 2026 11:38:42
لم ينتظر القضاء اللبناني انتهاء مسار الطعن أمام المجلس الدستوري للبدء بالتحضير لتطبيق قانون العفو العام الرقم 70، فأطلقت النيابة العامة التمييزية غرفة عمليات مركزية بالتعاون مع الأجهزة الأمنية، فيما باشرت المحافظات إعداد ملفات المحكومين والموقوفين. لكن كلام النائب العام التمييزي القاضي أحمد رامي الحاج أن القانون
"لم يحدد آليات تنفيذ تفصيلية" يفتح باباً يتجاوز الجانب الإجرائي إلى سؤال قانوني أكثر حساسية: ماذا يفعل القضاء عندما تكون الآلية غير محددة، أو عندما تصطدم عبارة في القانون بأكثر من احتمال للتطبيق؟
الحاج أوضح أن العمل الجاري لا يهدف إلى تفسير نية المشرّع، بل إلى وضع آلية واضحة لتطبيق القانون، مشيراً إلى أن بعض مواده يتضمن مصطلحات وصياغات تحتاج إلى تحديد كيفية إسقاطها على النصوص القانونية النافذة. كما لفت إلى أن القانون لا يحدد بصورة مباشرة أرقام مواد قانونية مشمولة بالعفو أو بخفض العقوبة، بل يعتمد أوصافاً ومصطلحات عامة، الأمر الذي دفع إلى التنسيق مع مجلس القضاء الأعلى لتوحيد آلية التطبيق ومنع اختلاف الاجتهادات بين النيابات والمحاكم.
وهنا تكمن المسألة الأساسية. فالقضاء يستطيع، في مرحلة التنفيذ، أن يفرز الملفات، ويحدد المرجع المختص، ويطابق الوقائع والأحكام على الشروط التي وضعها المشرّع. لكنه عندما يواجه نصاً ملتبساً، يصبح التفسير جزءاً من عملية التطبيق نفسها. وهذا لا يعني أن النيابة العامة تستطيع إنشاء عفو جديد أو إضافة فئات لم يذكرها القانون، إذ يبقى نطاق العفو محدداً بالنص الذي أقره مجلس النواب. إلا أن طريقة تفسير العبارات العامة يمكن أن تجعل الأثر العملي للقانون أوسع أو أضيق داخل الحدود التي يسمح بها النص.
وتبرز هنا المادة الثانية التي وضعت لائحة طويلة بالجرائم المستثناة. فبعض الاستثناءات صيغت بأوصاف عامة، مثل الجرائم الواقعة على المال العام، وجرائم التزوير، والجرائم المتعلقة بقانون النقد والتسليف، والجرائم البيئية، وبعض جرائم السرقة والمخدرات. وفي المقابل، فإن المادة الأولى وضعت قاعدة عامة تقضي بالعفو عن الجرائم المرتكبة قبل الأول من آذار 2026. وبالتالي فإن تحديد الوصف القانوني الدقيق للفعل في كل ملف يصبح حاسماً في معرفة ما إذا كان يدخل في القاعدة العامة أم في أحد الاستثناءات.
والأكثر إثارة للانتباه المادة الخامسة، التي تنص بصورة استثنائية على تخلية سبيل كل موقوف تجاوز توقيفه 12 سنة في جرائم ارتكبت قبل الأول من آذار 2026 ولم يصدر فيها حكم، على أن تستمر المحاكمة. عبارة "كل الجرائم" هنا تستحق تدقيقاً قضائياً، وخصوصاً في علاقتها بالمادة الثانية التي تحدد الجرائم المستثناة من العفو. فالإفراج وفق المادة الخامسة ليس عفواً عن الجرم ولا إسقاطاً للمحاكمة، لكن تحديد نطاق هذه المادة سيبقى مسألة تطبيقية وقانونية تحتاج إلى مقاربة موحدة.
أما المادة العاشرة فتذهب في اتجاه آخر، إذ تعدل استثنائياً المادة 205 من قانون العقوبات في موضوع تعدد الجرائم، فتجعل تنفيذ العقوبة الأشدّ هو الأصل، وتسمح بالجمع ضمن سقف محدد. وهذه المادة قد تكون ذات أثر مباشر على عدد من الملفات التي تتضمن أحكاماً متعددة، وبالتالي على المدة التي سيبقى فيها المحكوم داخل السجن بعد إعادة احتساب وضعه القانوني.
من هنا، فإن كلام الحاج عن "آليات التنفيذ" ليس تفصيلاً إدارياً. فالقضاء أمام آلاف الملفات المتنوعة، والحاج أعلن أن أكثر من 1300 محكوم وأكثر من 2000 موقوف ومحكوم معاً، فضلاً عن أكثر من 5000 موقوف، يحتاجون إلى التدقيق والفرز قبل تحديد المستفيدين.
المطلوب، إذن، ليس أن يفسر القضاء القانون وفق ما يراه مناسباً، بل أن يمنع تعدد القراءات للنص الواحد. وإذا ظهر غموض حقيقي فلا يمكن حسمه من خلال قواعد التفسير القضائي، فإن معالجة الغموض بتوسيع العفو تصبح مسألة تتجاوز مجرد "آلية التنفيذ". فالعفو العام في أساسه تشريع صادر عن مجلس النواب، والقضاء يطبقه ويفسره في القضايا المعروضة أمامه، لكنه لا يملك أن يحل محل المشرّع في إضافة عفو لم يرد في القانون.
وهنا ستكون غرفة العمليات التي شكلتها النيابة العامة أمام الاختبار الفعلي: هل تستطيع إنتاج تطبيق موحد للقانون، من دون أن تتحول عملية تفسير العبارات العامة إلى باب غير مباشر لتوسيع مروحة المستفيدين أو تضييقها؟ فالحد الفاصل بين الأمرين دقيق، وقد يكون هو القضية الأهم التي ستظهر عند بدء تنفيذ قانون العفو فعلياً.