العقوبات تضيق منافذ الدولار.. النظام الإيراني يفقد مرونة شبكات الالتفاف

دخل الضغط الاقتصادي على النظام الإيراني مستوى أكثر حدة، مع تراجع تحميلات النفط الخام إلى نحو 260 ألف برميل يوميًا، مقارنة بنحو 1.7 مليون برميل قبل تشديد الحصار والعقوبات.

يتزامن ذلك، مع اتساع القيود الأميركية على قنوات الشحن والصرافة والأصول الرقمية التي استخدمتها طهران للحصول على العملات الأجنبية والوصول إلى الأموال المتراكمة خارج البلاد.

وأطلقت وزارة الخزانة الأميركية في 24 أغسطس/آب حملة "المنبوذ الاقتصادي"، ووسعت نطاق العقوبات الثانوية ليشمل قطاعات الشحن والذهب والتكنولوجيا والطيران والأصول الرقمية، مع تحذير الشركات والمؤسسات المالية في الدول الأخرى من مخاطر التعامل مع الأنشطة الإيرانية التي حددتها واشنطن.

ويكشف مصدر في وزارة الخزانة الأميركية يتابع ملف العقوبات الإيرانية، أن التركيز الحالي يشمل الشركات والحسابات التي تتعامل مع الجهات المدرجة على قوائم العقوبات، خصوصًا شبكات الصرافة التي تستخدم شركات واجهة في هونغ كونغ ومراكز مالية آسيوية لتسوية مدفوعات مرتبطة ببنوك إيرانية خاضعة للعقوبات.

ويشرح المصدر لـ"إرم نيوز"، أن الخزانة تعمل على تضييق قدرة هذه الشبكات على استبدال الشركات والحسابات بعد إدراجها على قوائم العقوبات، عبر تتبع الأطراف المقابلة والمصارف المراسلة وشركات الشحن والتأمين التي تسمح باستمرار تدفق الأموال تحت أسماء تجارية جديدة.

وبحسب المصدر، تحظى المدفوعات المرتبطة بشحنات نفطية سابقة وعائدات البتروكيماويات بأولوية إضافية، مع توسيع نطاق العقوبات الثانوية على المؤسسات المالية الأجنبية التي تسهّل تحويل الأموال الموجودة في حسابات وسيطة إلى حسابات جهات إيرانية، وهو ما رفع الرسوم التي يطلبها بعض المتعاملين ودفع آخرين إلى إنهاء معاملاتهم المرتبطة بإيران.

واستهدفت واشنطن خلال يوليو/تموز شركات صرافة إيرانية، بينها "درباني وشركاؤه" و"لافاساني وشركاؤه" و"محسن خندان وشركاؤه"، وقالت الخزانة إنها حركت ما يعادل مليارات الدولارات سنويًا لمصلحة بنوك إيرانية معاقبة عبر طبقات من الشركات الوهمية، بينها شركة "سي دي إم تريدينغ" في هونغ كونغ.

وتزامن تشديد العقوبات مع تراجع حاد في تحميلات الخام الإيراني خلال الأيام الأخيرة، في وقت رفعت فيه واشنطن مستوى التحذير للشركات والمصارف الأجنبية من مخاطر العقوبات الثانوية المرتبطة بالشحن والذهب والأصول الرقمية. كما أظهرت تقارير حديثة أن بعض الوسطاء التجاريين والماليين في آسيا بدأوا يطلبون عمولات أعلى أو فترات تسوية أطول عند التعامل مع مدفوعات مرتبطة بإيران، ما ضاعف كلفة الوصول إلى العملات الأجنبية.

الدولار يصبح أكثر كلفة
في حين يفيد مصدر إيراني معارض، على تواصل مع مسؤولين حكوميين واقتصاديين، بأن الضغوط الأخيرة دفعت مؤسسات مالية إيرانية إلى إعطاء أولوية لاستخدام النقد الأجنبي في استيراد الوقود والقمح والأدوية ومدخلات الإنتاج الأساسية، مع تأخر تخصيص العملة لبعض الواردات الأخرى.

ويوضح المصدر  لـ"إرم نيوز"، أن تجارًا وشركات يعتمدون على وسطاء في شرق آسيا يواجهون مدد تسوية أطول ورسوم تحويل أعلى، مع مطالبة عدد من الوسطاء بنقل الأموال عبر أكثر من جهة وطلب عمولات إضافية مقابل تحمل مخاطر التعامل مع المعاملات المرتبطة بإيران.

ويشير إلى أن النظام الإيراني يواجه صعوبة متزايدة في الوصول إلى أموال متراكمة من صادرات سابقة وعائدات تجارية موجودة خارج البلاد، إذ تمر هذه الأموال عبر حسابات ووسطاء متعددين قبل أن تصل إلى قنوات يستطيع البنك المركزي استخدامها في تمويل الاستيراد، ما يجعل تحويلها إلى عملات قابلة للاستخدام أكثر بطئًا وكلفة.

وتأتي هذه الضغوط مع تراجع حاد في قيمة الريال واقتراب التضخم من 70%، في وقت تشير تقديرات حديثة إلى أن مخزون البنزين المتاح داخل إيران يغطي نحو شهرين، ما يرفع حاجة النظام إلى العملات الأجنبية ويزيد الضغط على الموارد المتاحة.

شبكة الظل تفقد هامشها
من جانبه، يرى الباحث المتخصص في الشؤون الإيرانية كورنيليوس أديبار أن انخفاض موارد النقد الأجنبي يضيّق خيارات الحكومة في توزيع الإنفاق، خصوصًا مع ارتفاع احتياجات الاستيراد واستمرار تمويل المؤسسات العسكرية والأمنية وتزايد الضغوط على الموازنة العامة.

ويعتبر أديبار، خلال حديثه لـ"إرم نيوز"، أن استمرار تراجع الإيرادات سيرفع حساسية أي قرار يتعلق بالدعم والأسعار وتخصيص العملة، لأن الحكومة تواجه أصلًا تضخمًا مرتفعًا وتراجعًا في قيمة الريال واتساعًا في الضغوط المعيشية على الإيرانيين.

وبحسب تقديره، يزيد استمرار هذا المسار احتمال لجوء السلطات إلى تمويل جزء أكبر من الإنفاق عبر السيولة المحلية، بما يضيف ضغطًا على الأسعار ويجعل الكلفة الاقتصادية للعقوبات أكثر حضورًا في الداخل الإيراني.

وتكشف الأرقام الحالية اتساع الضغط على قدرة النظام الإيراني على الحصول على النقد الأجنبي واستخدام الأموال الموجودة خارج البلاد، ما يقلص الموارد المتاحة لتمويل مؤسساته وتأمين احتياجات السوق مع استمرار الحصار وتشديد العقوبات الثانوية.