العقيد العراقي "الوهمي": القضاء يُحقق مع خمسة ضباط

بينما الرواية الأولية توحي بعملية احتيال تقليدية عابرة، أخذت قضية الموقوف العراقي طارق الحسيني الذي انتحل صفة الملحق الأمني برتبة "عقيد" في السفارة العراقية منحىً قضائيًا وأمنيًا ثقيلًا. 

لم تعد القضية مجرد نصب وانتحال صفة، بل تحولت إلى مساءلة داخلية صامتة داخل أروقة المؤسسة العسكرية، حول كيفية اختراق المنظومة الأمنية والاجتماعية لضباط لبنانيين من قبل شخصية وهمية، استطاعت ببراعة مرافقة رتب عالية في مناسبات خاصة من دون إثارة الشكوك. 

"العسكرية" تتحرك

بإشارة مباشرة من مفوض الحكومة لدى المحكمة العسكرية كلود غانم، استمعت مخابرات الجيش لإفادة خمسة ضباط من بينهم العميد (م.م) والعقيد (ع.ب) وسيتم الاستماع إلى باقي الضباط تباعًا. هذا الاجراء وإن كان يندرج في إطار التحقيق التقني إلا أنه يحمل دلالات محرجة. إذ يضع ضباطًا في خانة المساءلة حول "سوء التقدير" وفتح الأبواب لشخصية مجهولة الهوية، مما سمح لها بالتغلغل في دوائر حساسة. 

بحسب معلومات "المدن"، أدلى العميد (م.م) بإفادة سعى من خلالها إلى حصر الأضرار، مؤكدًا أنه وقع ضحية تضليل احترافيّ. كما أوضح أن المتهم قدم نفسه بصفته زميلًا في الأمن العراقي، وهو ما دفعه للتعامل معه بلياقة الزمالة العسكرية المتعارف عليها بين الجيوش العربية. وشدّد على أن العلاقة لم تتجاوز حدود العلاقات العامة والبروتوكول الاجتماعي، حيث كان يرافقه في بعض المناسبات كضيفٍ زميل نافيًا وجود أي صفقات أو تسريبات مشبوهة. 

لا خروقات أمنية؟ 

تسعى مديرية المخابرات في الجيش اللبناني إلى طمأنة الهواجس الأمنية. إذ تبين من خلال المعطيات أو التحقيقات الأولية أنه لا خشية من تسريب معلومات أمنية حساسة أو استراتيجية تخص الدولة اللبنانية حتى الساعة. ويبدو أن نشاط العقيد الوهمي تركز على بناء "برستيج شخصي" واستغلال الصور مع القيادات لتسهيل مآرب خاصة أو واجهة اجتماعية زائفة.  بدوره يسعى القضاء إلى التأكد إن كان استخدم العقيد الوهمي صفته الزائفة من أجل تمرير خدمات شخصية، خصوصًا بعد تداول معلومات عن أنه تمكن من تحرير وديعة لأحد أصدقائه عبر التواصل مع أحد المسؤولين في مصرف لبنانيّ. وهذا ما يسعى القضاء اللبناني إلى التأكد منه. 

ومع ذلك يبقى الصندوق الأسود في يد الفرع الفني في مديرية المخابرات، التي تواصل عملية تفريغ شاملة لهواتف المتهم وأجهزته الإلكترونية، خصوصًا في ظل وجود عشرات الصور مع ضباط وأمنيين. 

التحقيق الفني يهدف إلى الإجابة على صلة مقلقة: هل احتفظ المتهم بصور لمراكز عسكرية مثلًا، هل تضمنت مراسلاته معلومات عن تحرك الضباط؟ وهل هناك جهات خارجية تتلقى منه التقارير؟ أم أن الأمر مجرد هوس بالرتب العسكرية. 

انتحال صفة عسكرية

تشير معلومات "المدن" إلى أن القاضي غانم ينتظر التقرير التقني النهائي لختم المحاضر. وبناء على نتائج هذه التحقيقات سيتم الادعاء على المتهم العراقي بجرم انتحال صفة عسكرية ودخول مراكز بطرق غير مشروعة. أما الضباط، فتتجه الأنظار إلى القرار بشأنهم، وما إذا كانت ستتخذ بحقهم إجراءات مسلكية داخلية، بتهمة الاهمال أو مخالفة التعليمات العسكرية في التعامل مع الأجانب من دون مراجعة المراجع المختصة. 

تفتح هذه القضية ملف الاختراقات الناعمة التي تعتمد على العلاقات الشخصية. وهي فضيحة بروتوكولية ومسلكية وأمنية، تطرح تساؤلات حول آليات التدقيق في هوية "أصدقاء الضباط" في بلدٍ يمثل فيه الزي العسكري رمزًا للسيادة لا يحتمل التزوير.