المصدر: النهار
الكاتب: سلوى بعلبكي
الخميس 30 تموز 2026 08:35:23
تكتسب العلاقات اللبنانية-التركية أهمية متزايدة في المرحلة الراهنة، تزامنا مع الزيارة الرسمية التي يجريها رئيس الجمهورية جوزف عون لتركيا اليوم الخميس، والتي يتوقع أن تشكل محطة جديدة في مسار تطوير التعاون الثنائي، ولا سيما في المجالات الاقتصادية والتجارية والاستثمارية. وتأتي الزيارة في ظل تحولات إقليمية متسارعة تدفع البلدين إلى إعادة صياغة أولوياتهما الاقتصادية، وسط اهتمام متزايد بتعزيز التعاون في قطاعات التجارة، والبنى التحتية، والطاقة، وإعادة الإعمار.
توسع التعاون والاستثمارات
خلال السنوات الأخيرة، شهدت العلاقات الاقتصادية بين لبنان وتركيا توسعا ملحوظا، في إطار استراتيجية تركية تقوم على تعزيز النفوذ الاقتصادي في المنطقة عبر الاستثمار والتبادل التجاري، أكثر من اعتمادها على الأدوات السياسية التقليدية.
ويستند هذا الحضور إلى شبكة تضم نحو 30 اتفاقية تعاون ثنائية، إلى جانب تنامي حركة النقل الجوي، وارتفاع حجم الاستثمارات المتبادلة، ووجود جالية ناشطة من رجال الأعمال اللبنانيين في تركيا، فضلا عن المشاريع التنموية التي تنفذها الوكالة التركية للتعاون والتنسيق (تيكا) في عدد من المناطق اللبنانية.
كذلك تعمل أنقرة على توسيع حضورها في قطاعات الخدمات والطاقة والإنشاءات، مستفيدة من الفرص التي تتيحها مشاريع إعادة إعمار لبنان، ولا سيما في الجنوب، حيث تبدي شركات المقاولات التركية اهتماما متزايدا بالمشاركة في هذه المشاريع. وفي الوقت عينه، تبرز الأهمية الإستراتيجية التي توليها تركيا لمرفأ طرابلس والخط البحري الرابط بينه وبين ميناء مرسين، لكونهما جزءا من رؤية لوجيستية أوسع تستهدف تعزيز حركة التجارة في شرق المتوسط.
عجز تجاري يتسع رغم الأزمة
إلا أن هذا الزخم في العلاقات الاقتصادية لا ينعكس توازنا في المبادلات التجارية بين البلدين. فالميزان التجاري لا يزال يميل كثيرا لمصلحة تركيا، إذ تشير إحصاءات إدارة الجمارك اللبنانية إلى أن العجز التجاري ارتفع من نحو 593 مليون دولار عام 2016 إلى أكثر من 2.28 ملياري دولار عام 2022، قبل أن يتراجع نسبيا مع بقائه عند مستويات مرتفعة تجاوزت 1.29 مليار دولار خلال الأشهر الخمسة الأولى من 2026.
وخلال الفترة الممتدة منذ 2016، تجاوزت قيمة الواردات اللبنانية من تركيا 13 مليار دولار، مقابل نحو 1.5 مليار فقط من الصادرات اللبنانية، ما أسفر عن عجز تراكمي تخطى 11.5 مليارا.
يشير هذا المسار إلى أن الأزمة الاقتصادية التي شهدها لبنان لم تؤدّ إلى تراجع الاعتماد على السلع التركية، بل على العكس، إذ بلغت الواردات ذروتها عام 2022، متجاوزة 2.4 ملياري دولار، رغم الانهيار النقدي، ثم عادت إلى الارتفاع مع تحسن نسبي في الاستقرار النقدي خلال السنوات اللاحقة، فيما بقيت الصادرات اللبنانية إلى السوق التركية محدودة، من دون تحقيق اختراق فعلي يسمح بإعادة التوازن إلى العلاقة التجارية.
البعد الجيوسياسي للشراكة
يرى الخبير الاقتصادي الدكتور بيار الخوري أن "هذا الخلل لم يعد يفسر فقط بعوامل العرض والطلب، بل أصبح مرتبطا بتحولات جيوسياسية تعيد رسم موقع لبنان ضمن الإستراتيجية الاقتصادية التركية في المنطقة. فالتغيرات التي شهدتها سوريا منذ أواخر 2024، وما رافقها من انفتاح للطرق البرية في اتجاه المشرق العربي، أعطت أنقرة فرصا جديدة لتوسيع شبكاتها التجارية واللوجيستية، وهو ما انعكس في ارتفاع صادراتها إلى السوق السورية، بالتوازي مع ازدياد اهتمامها بالاستثمار في البنية التحتية اللبنانية، سواء عبر تطوير مرفأ طرابلس أو متابعة مشروع تشغيل مطار رينه معوض، إضافة إلى الدفع نحو تحويل العلاقات الثنائية من مستوى التعاون التقليدي إلى شراكة استراتيجية".
وبحسب الخوري، فإن هذه الاستثمارات لا تعني بالضرورة تصحيح الاختلال القائم في الميزان التجاري، إذ إن "الاستثمار في المرافئ والمطارات يهدف في المقام الأول إلى تسهيل حركة الصادرات التركية وتعزيز دور لبنان مركزا لوجيستيا يربط تركيا بالأسواق العربية، أكثر مما يهدف إلى توسيع فرص دخول المنتجات اللبنانية السوق التركية. وبالتالي، فإن تعزيز البنية التحتية قد يؤدي إلى زيادة انسياب السلع التركية عبر لبنان، من دون أن ينعكس تلقائيا على نمو الصادرات اللبنانية".
نجاح الزيارة رهن بتوازن الشراكة
انطلاقا من هذا الواقع، يلفت الخوري إلى أن "المسار المرجح، في غياب اتفاقات تجارية تفضيلية وإجراءات عملية لفتح السوق التركية أمام المنتجات اللبنانية، هو استمرار اتساع الفجوة التجارية مع تحسن الطلب المحلي وتعافي الاقتصاد اللبناني. وعليه، فإن نجاح الزيارة الرئاسية لأنقرة لن يقاس فقط بحجم الاتفاقيات التي قد توقع، بل بقدرتها على إرساء شراكة اقتصادية أكثر توازنا، تعزز الاستثمارات الإنتاجية، وتدعم الصادرات اللبنانية، وتعطي لبنان دورا اقتصاديا فاعلا يتجاوز كونه سوقا استهلاكية أو محطة عبور ضمن الممرات التجارية الإقليمية الجديدة".