المصدر: Kataeb.org
الكاتب: بطرس الخوري
الثلاثاء 18 تشرين الثاني 2025 09:19:51
العلاقة بين الموارنة والفاتيكان من أقدم وأوثق العلاقات بين كنيسة شرقية والكرسي الرسولي في روما، وهي علاقة مميزة تمتد لأكثر من ألف عام، تقوم على الإيمان المشترك والشراكة الكنسية والدعم المتبادل.
كان الموارنة جزأً من كنيسة أنطاكيا وقد نشأت كنيستهم بداية حول دير مار مارون في القرن الرابع ميلادي. بعد الانقسامات العقائدية التي تبِعت مجمع خلقيدونية (٤٥١م)، انتقل الموارنة بين سنة ٦٩٠-٦٩٣م. الى جبال لبنان، ومع هذا الانتقال تكرّس كرسي البطريركية المارونية في لبنان مع البطريرك يوحنا مارون. حافظ الموارنة على الإيمان الخلقيدوني أي نفس العقيدة التي تتبناها الكنيسة الكاثوليكية، وبسبب الاضطرابات السياسية والغزوات، انعزل الموارنة في جبال لبنان وبقوا على هذه الحال من القرن السابع حتى القرن الحادي عشر، خلال هذه العصور لم تنقطع الصلة الايمانية بروما، رغم غياب الاتصال المباشر الفعلي.
تشير الوثائق المتوافرة، الى أن اوّل اتّصال بين الكنيسة المارونية والكنيسة الرومانية الكاثوليكية تحقق في السنوات الاولى للعهد الصليبي في الشرق، وجاء امتداداً للعلاقة التي نشأت وتطورت بين الموارنة والفرنجة منذ وصول هؤلاء الى مناطق جبال لبنان الشمالية. فقد ارسل البطريرك يوسف الجرجسي، الذي كان مقيماً سنة ١٠٩٩ في دير سيدة يانوح في جبّة المنيطرة، رسالة الى البابا مع الوفد الذي ارسله الصليبيون الى روما ليبشّر الحبر الاعظم بوصولهم الى القدس، فتلقّى البابا "أوربان الثاني" الرسالة وأرسل مع الوفد العائد الى الشرق "التاج والعصا" هدية للبطريرك الماروني، ومنذ ذلك الوقت أصبح تتويج بطاركة الموارنة من قبل البابا تقليداً سارياً.
تطورت العلاقة بين الكنيسة المارونية وروما، ففي سنة ١١٣١ أرسل البابا "إينوسنت الثاني" قاصداً رسولياً الى الشرق في عهد البطريرك الماروني غريغوريس الحالاتي، فلاقاه الموارنة وأقسموا على الدخول في طاعة الحبر الأعظم.
بعدها، أرسل الموارنة عام ١١٨٢ وفداً الى البابا "لوشيوس الثالث" في روما معلنين وحدتهم الكاملة مع الكرسي الرسولي، ومنذ ذلك التاريخ لم تنقطع الشركة بين الموارنة والفاتيكان. في سنة ١٢١٣ تلقّى البطريرك إرميا العمشيتي دعوة من البابا "إينوسنت الثالث" لحضور مجمع لاتران، فسافر في أواخر سنة ١٢١٥ وهو بذلك يكون أول بطريرك ماروني يزور الكرسي الرسولي.
تكرّست العلاقة بين الموارنة والفاتيكان عام ١٥٨٤ عندما أسس البابا "غريغوريوس الثالث عشر" الكلية المارونية في روما لتعليم الأكليريكيين الموارنة، وهي ثاني مدرسة أنشأها الفاتيكان لمسيحيي الشرق بعد المدرسة الخاصة باليونانيين. كان لهذه المدرسة وخريّجيها دور ديني وثقافي كبير ومن بين هؤلاء الخريجين البطريركان المارونيان جرجس عميرة واسطفان الدويهي. كما دعم الفاتيكان الموارنة روحياً وثقافياً فأرسل مبعوثين الى لبنان لمساعدة الكنيسة المارونية في تنظيم شؤونها والاشراف على المجامع المارونية التي ساهمت في تحديث الكنيسة خاصة مجمع قنوبين ١٥٨٠ ومجمع اللويزة ١٧٣٦م.
تواصلت العلاقة بين البطاركة الموارنة والباباوات بإنتظام وخلال القرن التاسع عشر تم تعزيز هذه العلاقة بإنشاء علاقات دبلوماسية مع الكرسي الرسولي في عهد البطريرك يوسف حبيش(١٨٢٣-١٨٤٥) ويوسف الخازن(١٨٤٥-١٨٥٤)، وخلال أحداث سنة ١٨٦٠ لعب الفاتيكان دوراً مهماً عبر مبعوثيه، فقد أرسل البابا "بيوس التاسع" مندوبين لتقديم المساعدة ودعم البطريرك بولس مسعد في مساعيه لتحقيق الاستقرار. وبمباركة الفاتيكان ودعمها، أسس اليسوعيون سنة ١٨٧٥ في بيروت جامعة القديس يوسف التي أصبحت من أهم الجامعات في لبنان والشرق الأوسط، كما تمّ تأسيس مستشفى أوتيل ديو دو فرانس في العام ١٩٢٣ بعد مرور ٣٥ عام على إنشاء كلية الطب في جامعة القديس يوسف، كما دعم الفاتيكان،عبر الرهبانيات المارونية واللاتينية، المدارس والجامعات الكاثوليكية. هذه المؤسسات ساهمت في النهضة الثقافية والفكرية اللبنانية في وقت لاحق.
خلال القرن العشرين، وقف الفاتيكان الى جانب مطلب البطريرك الحويك بأنشاء لبنان الكبير عام ١٩٢٠ وكان داعماً اساسيا لاستقلاله عام ١٩٤٣ وأقام علاقات وثيقة بالدولة اللبنانية، وقد كان للفاتيكان دعوات مستمرة الى السلام ووقف العنف خلال فترة الحرب اللبنانية، كما نسّق برامج مساعدات إنسانية دون تمييز طائفي، وقد شجع الكرسي الرسولي البطريرك خريش على البقاء صوتاً وطنياً جامعاً، كما دعم البطريرك صفير في مساعيه للمصالحة الداخلية ورفضه لأي وصاية أجنبية على لبنان، وكان السينودس الخاص من أجل لبنان وزيارة البابا القديس "يوحنا بولس الثاني"، ثمرة علاقة وثيقة بين الكنيسة المارونية والفاتيكان.
يعتبر الفاتيكان أن الموارنة شركاء رئيسيين في الحفاظ على التنوع الديني في المنطقة، وهو يعمل مع الكنيسة المارونية لتعزيز الحوار المسيحي_الاسلامي في لبنان والشرق الاوسط، وقد زار البابا "بندكتوس السادس عشر" لبنان عام ٢٠١٢ لتسليم الارشاد الرسولي حول الشرق الاوسط مؤكداً دور الموارنة في حماية الحرية الدينية والعيش المشترك.
الكنيسة المارونية تُعدّ أكبر كنيسة شرقية كاثوليكية تتحد مع روما دون أن تفقد طقوسها او عاداتها، فالعلاقة اليوم قائمة على الشركة التامة في الإيمان مع إحترام الهوية الشرقية، هذه العلاقة سمحت للكنيسة المارونية أن تتبؤا مركزاً مرموقاً بين الكنائس الشرقية الكاثوليكية مما يؤهلها لأن تقوم بدور متقدم في ترسيخ العلاقة بين الشرق والغرب وبين المسيحيين والمسلمين.