المصدر: النهار
الكاتب: اسكندر خشاشو
الجمعة 9 كانون الثاني 2026 07:54:56
بعد مرور سنة على انتخاب العماد جوزف عون رئيساً للجمهورية، بدا واضحا أن الرجل اختار منذ اليوم الأول أن يتموضع خارج منطق الزعامة الحزبية التقليدية وأن يدير موقع الرئاسة باعتباره مساحة توازن بين القوى السياسية، لا منصة لتحالف سياسي دائم. هذا الخيار انعكس مباشرة على شكل العلاقة التي نشأت بين بعبدا والأحزاب المسيحية الأساسية، أي "القوات اللبنانية" والكتائب و"التيار الوطني الحر" و"تيار المردة"، بحيث لم تتكوّن شراكات صلبة بل علاقات مرنة تتحرك تبعاً للملفات والظروف والاستحقاقات.
العلاقة مع "القوات اللبنانية" شكّلت النموذج الأوضح لهذا المسار. فـ"القوات" كانت من بين القوى التي أسهمت في توفير الغطاء السياسي المسيحي لانتخاب عون باعتباره خياراً وسطياً قادراً على كسر الفراغ وإعادة تشغيل المؤسسات. غير أن هذا الدعم لم يكن قائماً على تطابق في الرؤية بل على تقاطع ظرفي سرعان ما بدأت تظهر حدوده. كانت "القوات" تنتظر من العهد اندفاعة سياسية حادة في ملفات السيادة والسلاح والعلاقة مع "حزب الله"، فيما اختار الرئيس مقاربة أكثر تدرجاً تقوم على حماية الاستقرار ومنع الانزلاق إلى صدامات داخلية لا قدرة للبنان على تحملها. هذا الاختلاف في المقاربة أنتج توتراً صامتاً تحول تدريجاً إلى تباعد سياسي عبّرت عنه "القوات" عبر رفع سقف خطابها النقدي تجاه أداء العهد، من دون أن تذهب إلى حد القطيعة الكاملة لأن موقع الرئاسة ما زال بالنسبة إليها جزءاً من معادلة التوازن التي لا يجوز كسرها.
أما حزب الكتائب فتعامل مع رئاسة عون منذ البداية من موقع الشريك والداعم الكامل، وابتعد عن أي نوع من الانتقاد أو توجيه الرسائل، وجعل علاقته به مباشرة. وبحسب مصدر كتائبي، يكفي عدّ زيارات النائب سامي الجميل لبعبدا وزيارات المسؤولين الآخرين للحصول على الجواب.
ولا يمنع ما تقدم وجود بعض الملاحظات أو الاختلافات في عدد من الملفات، إلا أن الحزب اختار معالجتها عبر التواصل المباشر وفي الغرف المغلقة، ونجح في أكثر من مرة، وبهذا يكون الحزب، كما عرفه اللبنانيون، إلى جانب الرئاسة قولا وفعلا.
في المقابل، اتسمت العلاقة مع "التيار الوطني الحر" بحساسية مضاعفة ناتجة من إرث السنوات السابقة، وخصوصا الأخيرة التي سبقت انتخاب عون، إذ بلغ التباعد ذروته وأدى إلى عدم الاقتراع له. ورغم ذلك بقيت العلاقة محكومة بالحد الأدنى من التنسيق الدستوري والإداري من دون أن تتحول إلى شراكة سياسية ولا إلى مواجهة مفتوحة، في انتظار ما ستفرضه الاستحقاقات المقبلة.
أما "تيار المردة" فكان الأكثر ارتياحاً إلى هذا النموذج الرئاسي لأنه لا يقوم أصلاً على مشروع تنافسي داخل الساحة المسيحية بقدر ما يقوم على شبكة علاقات وطنية عابرة للطوائف. لذلك نشأت بينه وبين الرئيس علاقة هادئة براغماتية تقوم على إدارة الملفات لا على بناء اصطفاف سياسي جديد.
في الخلاصة، يمكن القول إن عون يحاول أن يعيد تعريف العلاقة بين رئاسة الجمهورية والأحزاب المسيحية، من علاقة تمثيل حزبي للطائفة إلى علاقة تحكيم داخلها. هذا الخيار يمنحه دور الحكم لكنه يحرمه في الوقت نفسه سندا حزبيا صلبا في لحظة سياسية دقيقة، ويضعه في موقع التوازن الدائم بين مطالب بيئة مسيحية تريد منه مواقف أكثر حدة، وواقع وطني يفرض عليه أن يكون رئيس تسويات لا رئيس مواجهات. هكذا تتحدد علاقة بعبدا اليوم بالأحزاب المسيحية، لا تحالفا ولا خصومة، بل مساحة شد حبال مستمر يحاول فيها كل طرف تحسين موقعه، فيما يحاول الرئيس أن يحمي موقع الرئاسة من أن يتحول إلى طرف في الانقسام بدل أن يبقى مرجعية فوقه.