المصدر: النهار
الكاتب: سلوى بعلبكي
الخميس 8 كانون الثاني 2026 07:33:12
عندما تبلغ البطالة مستويات تقدر بنحو 38% (نسبة غير رسمية)، يصبح التغاضي عن فوضى سوق العمل شكلاً من أشكال المشاركة في الأزمة. فبين بطالة تتفاقم وسوق عمل يتفلت من الضوابط، لم يعد تنظيم سوق العمل ترفاً إدارياً، بل ضرورة اقتصادية واجتماعية ملحّة.
حالياً، تدخل الدولة مرحلة اختبار جدّي لاستعادة دورها، وحماية اليد العاملة اللبنانية، ووضع حدّ لاختلالات كلفت الخزينة والضمان الاجتماعي أثماناً باهظة، وذلك من خلال توجّه وزارة العمل إلى التشدّد في تطبيق القانون بحذافيره على جميع العاملين من دون استثناء... فهل يطبق القانون هذه المرّة؟ أم التطبيق مرحلي؟
وقد ترجم هذا التوجّه بالتنسيق القائم بين الوزارة والمديرية العامة للأمن العام، بغية مراجعة أوضاع العمالة الأجنبية كافة، بمن فيهم العمال السوريون، تمهيداً لإخضاعهم للأطر القانونية الناظمة للعمل، سواء لجهة شروط الإقامة أو آليات الترخيص والتصريح. ويؤكد هذا المسار أن التنظيم لا يستهدف جنسية بعينها، بل يندرج ضمن تطبيق مبدأ سيادة القانون على سوق العمل ككل.
وفي السياق، يضع النائب بلال عبد الله المقاربة المطروحة في إطار تنظيم العمالة الأجنبية دون تمييز، معتبراً أن "العامل الأجنبي مرحّب به متى التزم بقانون العمل اللبناني، في مقابل ضرورة وضع حدّ لمرحلة الفوضى التي سمحت بتفلت واسع من الرقابة. ويشكل التصريح الإلزامي عن كل عامل أجنبي وتسجيله لدى صاحب العمل الركيزة الأساسية لهذه المقاربة، بما يضمن حقوق العامل من جهة، وحقوق الدولة والضمان الاجتماعي من جهة أخرى".
ويستند هذا التوجه بشكل واضح إلى أحكام قانون العمل اللبناني ومرسوم تنظيم عمل الأجانب، ولا سيما لجهة اشتراط إجازة عمل مسبقة لكل عامل غير لبناني، وتحميل صاحب العمل كامل المسؤولية القانونية عن تشغيل أي أجنبي من دون ترخيص. وتنص المادة الأولى من القرار الرقم 157/1 صراحة على حظر تشغيل العمال والعاملات الأجانب بغير الصفة المجاز لهم العمل بها من قبل وزارة العمل، تحت طائلة العقوبات المنصوص عليها في القوانين المرعيّة الإجراء.
ويفرض القانون على أصحاب العمل تسجيل العمال الأجانب لدى الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، وتسديد الرسوم والاشتراكات المتوجبة، والتقيّد بالحد الأدنى للأجور وساعات العمل وسائر الشروط التي تسري على العمال اللبنانيين، ما يضع حداً لممارسات التهرّب المالي والاجتماعي التي سادت في السنوات الماضية.
وتكشف المقاربة المعروضة حجم الخلل الذي تراكم، حيث لجأت مؤسسات عدة إلى تشغيل عمال أجانب غير مصرّح عنهم، ما أدّى إلى إقصاء اليد العاملة اللبنانية من قطاعات واسعة، واستنزاف موارد الضمان الاجتماعي، وخروج جزء كبير من النشاط الاقتصادي عن الإطار الرسمي، مع ما يعنيه ذلك من تراجع في إيرادات الدولة.
وفي السياق، يشكل القرار الرقم 157/1 أداة تنفيذية أساسية، إذ يحدّد في مادته الثانية آلية واضحة لتسوية أوضاع العمال الأجانب المخالفين، بما يشمل الداخلين بصورة نظامية، والحائزين إجازات عمل منتهية، والعاملين لدى غير أصحاب العمل المصرّح عنهم، إضافة إلى الرعايا السوريين الداخلين بصورة شرعية بغض النظر عن نوع الإقامة. ويرسم القرار مساراً إدارياً واضحاً لتقديم طلبات التسوية إلى وزارة العمل مرفقة بالمستندات المطلوبة، بما يكرّس مبدأ الانتظام القانوني بدل المعالجات الاستنسابية.
ويُنظر إلى بدء التطبيق الفعلي للقانون كخطوة مفصلية، خصوصاً أن النصوص القانونية النافذة لا تحتاج إلى تعديل كي تطبَّق، بل إلى إرادة تنفيذية ورقابية. فالقانون الحالي يسري على جميع العاملين في لبنان، مهما تكن جنسيتهم، فيما تبقى مشاريع التعديل قيد النقاش النيابي ولم تقرّ بعد، ما يجعل الالتزام بالأحكام القائمة واجباً قانونياً غير قابل للتأجيل.
ورغم الإقرار بوجود تحدّيات تنفيذية، أبرزها النقص في عدد مفتشي وزارة العمل، يبرز في المقابل ضغط نيابي وإعلامي متزايد، حيث تواكب اللجان النيابية المختصة هذا الملف من موقعها الرقابي، لمنع تكرار تجارب سابقة بقي فيها القانون حبراً على ورق.
توازياً، رفع الاتحاد العمالي العام منسوب الضغط، مطالباً أصحاب العمل بالتقيد التام بالقرار 157/1 وتطبيقه فوراً، صوناً للمصلحة العامة وحفاظاً على حقوق العمال اللبنانيين. وشدد على أن قوننة اليد العاملة الأجنبية تشكل مدخلاً أساسياً لحماية سوق العمل، داعياً أصحاب العمل إلى تسوية أوضاعهم القانونية، وعدم تشغيل أو إيواء أيّ عامل بصفة غير قانونية، تفادياً لتبعات قانونية باتت حتمية.