المصدر: النهار
الكاتب: غاندي المهتار
الثلاثاء 8 أيلول 2026 08:24:59
سيطرت إسرائيل على مرتفعات علي الطاهر، فعادت النبطية وجوارها إلى دائرة الخوف. وعلى طرق النزوح المزدحمة ليلاً من النبطية ومحيطها، يتكشّف الفرق بين امتلاك السلاح وامتلاك الأمان: فمن قيل لهم إن السلاح يحميهم يبحثون، مرة أخرى، عن مكان آمن يحتمون فيه.
تحاول إسرائيل تحويل كل تقدّم تحرزه إلى إدانة مصوّرة لتاريخ "حزب الله" وخطابه، والمعيب أنها تنجح في ذلك. فإن الخيام وبنت جبيل وعلي الطاهر وغيرها أسماء لها مكانتها في ذاكرة صاغ بها الحزب صورته "المكللة بالغار". ففي ملعب بنت جبيل، ألقى الراحل حسن نصرالله خطاب "أوهن من بيت العنكبوت" في 2000، وهو خطاب استحضره الإسرائيليون حين امتلأ الملعب بدبابات الميركافا. واليوم، سقطت مرتفعات علي الطاهر التي جعلها الحزب لينينغراد أخرى في آيات صمودها، وستالينغراد ثانية في قدرتها على قلب موازين المعركة. حتى أن أحد منظري الحزب وصفها بـ"هرمز لبنان". هكذا تُستخدم الجغرافيا في حرب نفسية شعواء، فتُعرض أماكن احتضنت خطاب القوة أمس، لتكون أدلة على عجزه اليوم.
وحين يقول آفي أشكنازي في "معاريف" العبرية إن الطريق إلى بيروت والبقاع مفتوح بعد سقوط "علي الطاهر"، تبدو العبارة أداة ضغط نفسي وسياسي؛ فتحوّل عسكري في موقع واحد لا يثبت أن اجتياح العاصمة اللبنانية "نزهة"، وأي توسّع إضافي باتجاه الدبشة أو جبل الريحان، أو تشديد الضغط على النبطية، سيضاعف الخطر على السكان، مهما كانت الأوصاف التي يمنحها الطرفان للمعركة.
وتذكرني كلمة "نزهة" بخطاب "أبو عمار" في عرض عسكري في مدينة عاليه في 16 آذار 1982، في ذكرى اغتيال المعلم كمال جنبلاط، إذ صاح فيه رافعاً سبابته، متوجهاً إلى أرئيل شارون: "اجتياح لبنان ليس نزهة". كان ذلك قبل 3 أشهر فقط من عملية "سلامة الجليل" التي وصلت فيها الميركافا إلى بيروت.
غير ذلك، أوجه الشبه بين الحزب و"القوات المشتركة" كثيرة، ربما أبرزها رمي اصبع الجليل بالكاتيوشا، وترك الجنوبيين في مهب انتقام طائرات "كفير" الإسرائيلية!
شكّل الانسحاب الإسرائيلي في 2000 إنجازاً فعلياً. أما الوهم فكان تحويل الإنجاز إلى ضمان أبدي وتفويض مفتوح لحزب يقرّر وحده مقدار الخطر الذي يستطيع البلد احتماله. تجمّدت الرواية عند صورة الانتصار، فيما تبدّلت موازين القوة ووسائل الحرب، وصار الاعتراف بحدود القدرة يهدّد شرعية القيادة، فكان الأسهل أن تستمر في خطاب واهم يطالب المجتمع بمزيد من التضحية، متمادية في غيّها وإن تحوّل الخطأ العسكري إلى تضليل سياسي ندفع ثمنه كلنا. لذا، إيهامنا بقوة ردع قائمة على سردية "الجغرافيا الأسطورية" كان سبباً أساسياً في تدهور حالنا. وحين يتكرر النزوح ويتعطل العمل والتعليم وتتبدّد فرص التعافي، تظهر التكلفة المتراكمة لذلك الوهم: تكلفة ستستمر غداً ما دام القرار نفسه يُنتج الأخطار نفسها ويطالب الناس بالصبر نفسه.
إسرائيل مسؤولة عن استثمار تفوّقها لفرض واقع احتلالي جديد، و"حزب الله" مسؤول بالقدر نفسه عن وعود قطعها للبنانيين وقرارات من طراز "لو كنت أعلم" اتخذها باسم حمايتهم. محاسبة الوعد بالحماية حقّ للضحايا، ومواصلة مطالبة الجنوبيين بالصبر كي تبقى رواية الصمود سليمة إهانة إضافية لخساراتهم.
بعد "علي الطاهر"، يجب أن يصبح بقاء الناس في بيوتهم معيار القوة، فقد دفعوا ما يكفي ثمناً لخطابات تنتصب على أنقاض بيوت مدمرة، وتنتصر على جثامين اللبنانيين.