المصدر: النهار
الكاتب: روزانا بو منصف
الأحد 10 أيار 2026 08:03:26
الاهتمام الكبير بلبنان الذي أبداه البابا لاوون الرابع عشر منذ وصوله إلى السدة البابوية قبل عام والذي عبّر عنه في تخصيص لبنان بأولى زياراته إلى الخارج مطلع كانون الأول الماضي جعله بنداً أساسياً في اللقاء الذي جمعه بوزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يوم الخميس الماضي.
روبيو الذي زار الكرسي الرسولي في مسعى لرأب الصدع في العلاقات بفعل مواقف انتقادية حادة للرئيس الأميركي دونالد ترامب للمواقف المبدئية لرأس الكنيسة الكاثوليكية من حرب إيران والمنطقة، لم يخف أن لبنان كان من ضمن محاور البحث في وقت كان البابا وسفيره في لبنان لا يزالان يبذلان جهوداً كبيرة لاسيما من أجل تحييد القرى المسيحية عن الصراع بين إسرائيل و "حزب الله".
ويكتسب الامر اهميته البالغة في ظل واقع تكليف الرئيس الاميركي وزير خارجيته الاهتمام بملف التفاوض بين لبنان واسرائيل ورعايته لها . وبالحديث عن لبنان، أكد وزير الخارجية الأميركي مواقف لافتة كان محورها أنّ بلاده لن تتفاوض مع "حزب الله" مبيناً أن واشنطن تركز على الحكومة اللبنانية من اجل منع الحزب من حكم لبنان وارتكاب المزيد من الاعمال الارهابية . وان بلاده لن تتفاوض مع ايران حول الحزب ما لم تكن هذه الاخيرة على استعداد لانهاء تمويل الحزب ودعمه . وهذه النقطة الاخيرة تترك مجالا لكثيرين لعدم اسقاط المخاوف من اثمان يمكن ان تسعى اليها ايران او لا بد ان تسعى اليها اذا رأت حكما انها مجبرة على التخلي عن ورقة الحزب في لبنان ونزع سلاحه،ولو على سبيل شراء الوقت في انتظار متغيرات وظروف افضل، وتاليا ما يفتح الباب امام اثمان تتم على حساب لبنان ووضعه الداخلي او صيغته السياسية ، في وقت قد لا يطرح الامر اشكالا فعليا اذا سعت ايران الى اثمان تحصلها لمصلحتها في الواقع الايراني نفسه.
وهذا كان ولا يزال هاجسا دائما انطلاقا من خلفية ان الحزب الذي يستشرس راهنا لاثبات قدرته على مقارعة اسرائيل على رغم احتلالها جزءا كبيرا من الجنوب اللبناني وتوجيهها ضربات قاصمة له انما يفعل ذلك من باب السعي الى اثبات امساكه بورقة سلاحه وعدم امكان نزعها او التخلي عنها بالسهولة المفترضة.
وهذا يشكل تحديا حقيقيا انطلاقا من ان مصالح لبنان قد لا تشكل اولوية مطلقة في الحسابات الكبرى في الوقت الذي يحتاج الى استغلال الدولة اللبنانية نقاط ضعف الحزب ، وهي كثيرة ويجب ان تدركها الدولة اكثر من غيرها، وليس التعثر عند نقاط قوته او استقوائه.
منذ ما بعد حرب اسناد غزة واتفاق وقف الاعمال العدائية بين لبنان واسرائيل في 27 تشرين الثاني 2024 سقط سيناريوان على طريق التعامل مع نزع سلاح " حزب الله" من حيث المبدأ. السيناريو الاول تمثل على رغم نجاح الدولة اللبنانية في اتخاذ القرارات المناسبة على هذا الصعيد في رفضها وضع هذه القرارات موضع التنفيذ على خلفية ان الامر لن يحصل عبر استخدام القوة والمواجهة ما يخشى معه اشعال صراع داخلي لم يخف الحزب تهديده بها على انها حرب اهلية جديدة مفتوحة. والسيناريو الثاني هو الحرب الاسرائيلية على الحزب نتيجة ثأره لمقتل المرشد الايراني علي خامنئي من دون نجاح حاسم في ازالة تهديد الحزب او مسيراته على غرار ما تم التهديد به من زوار ديبلوماسيين كثر انذروا الدولة اللبنانية بان فشلها في التحرك لنزع سلاح الحزب وضمان حصرية السلاح في يد الدولة ما يضمن بدوره الامان على الحدود اللبنانية الاسرائيلية سيحتم ان تتولى اسرائيل بنفسها نزع سلاح الحزب.
ومع ان الحرب لم تنته بعد ويتم الترويج لضوابط اميركية في هذا الاطار تلجم اسرائيل عن مواصلة الوتيرة نفسها من اعتداءاتها ، فان الحزب ينعم بواقع انه لا يزال موجودا فاعلا وحتى عصيا على نزع سلاحه ايا يكن ما تبقى معه او فاعليته . السيناريو الثالث المحتمل والاكثر ترجيحا على خلفية الربط المحكم الذي يقيمه الحزب مع ايران وملف مفاوضاتها مع الولايات المتحدة في اسلام آباد ان مستقبله ومصيره وليس مستقبل سلاحه فحسب وبالتالي المسار السياسي للبنان، يتوقف على قدرة ايران على ضمان من الولايات المتحدة فرصة النفاذ بسلاح الحزب ونفوذها في لبنان او على الاقل بشراكة معلنة على غرار صيغة العراق في الاعوام الاخيرة.
وفيما تردد ان الوفد اللبناني يسعى إلى إحراز تقدم في خمس نقاط تبدأ بوقف النار وتثبيته، والانسحاب الإسرائيلي الكامل من لبنان، ومعالجة ملف الحدود، والإفراج عن الأسرى، وعودة السكان النازحين إلى قراهم مع إعادة إعمار ما هدمته الحرب، يفترض ويتوقع منه ان يحمل معه اقتراحات وعروضا لما يمكنه ويتعين عليه تقديمه في المقابل لدفع اسرائيل الى تنفيذ ما يطلبه على خلفية ان هذه العناوين تشكل اطارا للتفاوض بما في ذلك تطوير خطة الجيش وقدراته لتسلم الامن جنوبا على خلفية الحؤول كليا دون عودة الحزب الى الجنوب تحت طائل استمرار منع عودة النازحين ايضا بسبب ذلك.
وهي النقطة التي يقول ديبلوماسيون ان لبنان لا يستثمرها في شكل جيد ازاء الحزب جنبا الى جنب موضوع اعادة الاعمار المرتبطة حكما ليس بعودة الهدوء الى الجنوب بل ارساء واقع امني ضامن ومطمئن لكل من لبنان واسرائيل بدلا من استمرار الانشغال بشكل المفاوضات ، مباشرة او غير مباشرة، على خلفية ان هذا القطار اقلع من حيث المبدأ وهناك زخم يدفعه ويجب ان يواصل مساره خشية فقدان الدولة اللبنانية اهم فرصها المتاحة راهنا للعودة كدولة قابلة للحياة.