الفرح مدان في قرى الجنوب المسيحية... ماذا عن سهرات صور ورحلات تركيا وشرم الشيخ؟

منذ نحو أسبوعين، تتوالى حملات التخوين والشتم بحق أهالي القرى المسيحية الجنوبية، على خلفية احتفالهم بأعيادهم الدينية، ولا سيما عيد انتقال السيدة العذراء. وكأن الفرح، في زمن الحرب والتهجير، أصبح تهمة تُلصق بفئة دون أخرى. وكان آخر فصول هذه الحملات الهجوم الذي تعرّضت له بلدة عين إبل، حيث تحوّل الاحتفال بالعيد إلى مادة للتخوين، وبلغت الاتهامات حدّ القول إن أبناء البلدة "يرقصون على دماء جيرانهم المهجّرين"

لكن بعيداً من لغة التحريض، ثمة سؤال يستحق أن يُطرح: ما الخطيئة التي ارتكبها أهالي هذه القرى؟

 

 

هؤلاء لم يغادروا أرضهم، ولم يتخلوا عن بلداتهم، بل اختاروا البقاء فيها رغم الظروف الأمنية القاسية والحصار والخوف وتراجع الخدمات إلى الحدود الدنيا. يعيشون في قرى تفتقر إلى كثير من مقومات الحياة، من الأدوية والمستلزمات الطبية إلى سهولة الوصول إلى المستشفيات، فيما أصبحت مغادرة المنطقة بالنسبة إلى كثير منهم أمراً بالغ الصعوبة.

فهل يُطلب منهم، بعد كل ذلك، أن يتخلوا أيضاً عن حقهم في الفرح؟

في الأوساط الجنوبية التي استغربت هذا الكم من الحقد، يُطرح سؤال آخر عن ازدواجية المعايير. فإذا كان الاحتفال بعيد ديني في قرية حدودية يُعتبر استفزازاً لمشاعر المهجّرين، فكيف تُقرأ مشاهد السهر والاحتفالات والسياحة في مناطق أخرى من الجنوب وليس آخرها ما يجري شاطئ صور من البيئة التي تتهم غيرها.

وتقول هذه الأوساط إن الحصول على داتا المسافرين، وخصوصاً إلى تركيا وشرم الشيخ خلال الفترة نفسها، كفيل بإظهار حجم السفر للسياحة والاستجمام،  لما تسمي نفسها بيئة "المقاومة" كما أن جولة بسيطة على المقاهي والمطاعم والشواطئ في صور وغيرها تكشف أن الحياة لم تتوقف، وأن آلاف الناس يمارسون حقهم الطبيعي في الفرح والسهر وقضاء العطلات.

ولا مشكلة في ذلك إطلاقاً. فمن حق الناس أن تسافر وأن ترتاد المطاعم وأن تستمتع بوقتها، حتى في أصعب الظروف. لكن السؤال هو: لماذا يصبح الحق نفسه موضع اتهام عندما يمارسه أبناء قرى حدودية مسيحية؟

فهؤلاء يعيشون في حصار فعلي، وبعضهم بالكاد يؤمّن حاجاته الأساسية، ومع ذلك اختاروا البقاء.

الاحتفال في هذه الحالة ليس بالضرورة استهزاءً بمأساة المهجّرين، ولا رقصاً على دماء أحد. قد يكون ببساطة محاولة لاستعادة شيء من الحياة الطبيعية، ومساحة صغيرة من الفرح في قرى دفعت ثمناً كبيراً لأنها تمسكت بأرضها.

المفارقة أن أبناء هذه القرى لا يطلبون من أحد أن يفرح إذا كان حزيناً، ولا يطلبون من المهجّرين أن ينسوا بيوتهم. كل ما يريدونه هو ألا يتحول فرحهم المحدود إلى تهمة، وألا يصبح تمسّكهم بأرضهم سبباً لتخوينهم.

فإذا كان السفر إلى تركيا وشرم الشيخ، والسهر على شواطئ صور، وامتلاء المطاعم والمقاهي بالناس، لا يُعتبر "رقصاً على الدماء"، فلماذا يصبح الاحتفال بعيد السيدة العذراء في عين إبل كذلك؟

الجنوب يتسع للحزن كما يتسع للفرح، ولا يمكن بناء التضامن عبر التخوين. ومن بقي في أرضه، وحافظ على بيته وبلدته وهويته، لا يحتاج إلى اعتذار لأنه اختار أن يفرح لساعات في عيده.

الفرح ليس خيانة، والتمسّك بالأرض ليس جريمة.