المصدر: المدن
الكاتب: لارا الهاشم
الثلاثاء 26 أيار 2026 12:33:13
يوماً بعد يوم تتسع الهوة بين سلطة القرار من جهة وحزب الله من جهة أخرى. وهو ما رسمه خطاب الأمين العام للحزب الشيخ نعيم قاسم في ذكرى المقاومة والتحرير. قاسم لم يؤكد شرعية المقاومة فحسب، إنما اعتبر أن نزع السلاح هو إبادة، واتهم السلطة بالتواطؤ على شعبها لإبادته، وهو تالياً أشار إلى أن كل من يواجه حزب الله مع إسرائيل "سنواجهه كما نواجه إسرائيل". أمام هذا الواقع، يكاد يصحّ القول إن الجرّة قد كسرت بين حزب الله والحكومة اللبنانية، وأن الشعرة الوحيدة المتبقية هي استمرار وزراء الثنائي داخلها.
لكن، وبعيداً عن مسألة السلاح، يبرز خطر وجوديّ آخر يتهدّد حزب الله، هو مؤسسة القرض الحسن التي تصنّفها أوساطه عبر "المدن" بأهمية السلاح. فهل يتحرّك الحزب في الشارع حماية لمؤسساته المالية وسط الخناق الذي يشتدّ عليه؟
الشيخ نعيم قاسم....يبقى الشارع خياراً
في ذكرى المقاومة والتحرير قالها الأمين العام لحزب الله الشيخ نعيم قاسم صراحة: "العدوان على القرض الحسن عدوان على مئات الآلاف من الفقراء ومن أصحاب الدخل المحدود، تزيدونهم فقراً، مع أنه عمل اجتماعي. من حق الشعب أن ينزل إلى الشوارع وأن يسقط الحكومة، وأن يقاوم هذا المشروع الاسرائيلي الأميركي بكل ما أوتي من قوة". فهل يستعد حزب الله لمواجهة في الشارع ولقلب الطاولة على الحكومة؟
تقول أوساط حزب الله لـِ "المدن" إن الحزب لا يزال على موقفه بالحفاظ على السلم الأهلي وعدم استخدام الشارع، مشدّدة في الوقت عينه على أن كلام الأمين العام يأتي في إطار التحذير من أنّ الإقدام على أي خطوة خاطئة مرتبطة بالقرض الحسن قد تولّد انفجاراً اجتماعيّاً. فالحكومة، بحسب الأوساط، كانت متّهجة لاتخاذ قرارات تقضي بحلّ أو إقفال المؤسسة، وهو ما يؤشر إلى أن الدولة لا ترتدع عن تنفيذ الإملاءات الخارجية بمعزل عن أي حسابات تقدّر المصلحة الوطنية. وهي إملاءات عكستها مسارعة وزير الخارجية الأميركية ماركو روبيو إلى دعم الحكومة بعيد كلام قاسم، في وجه ما سمّاه تهديدات حزب الله، بحسب الأوساط.
أما تأكيد حزب الله أن إقفال القرض الحسن هو ضد المصلحة العامة، فهو لأن الآلاف يستفيدون من تقديمات المؤسسة لسببين: أولا لفقدان الثقة بالمصارف بعد الأزمة المالية التي عصفت بلبنان، وثانياً لحاجة الفقراء إلى الاقتراض وسط انهيار قيمة العملة الوطنية ومعها الرواتب. وفي حين تدحض المصادر صحة ما يقال عن أن هذه المؤسسة تموّل حزب الله مؤكدة أن ميزانيتها أساساً لا تسمح بذلك، تعود وتذكّر عبر "المدن" أن إقفالها قد يتسبب بانفجار اجتماعي، لاسيما في ضوء التهجير وفقدان الناس لمنازلهم وحاجتهم للاستقراض. وعليه تقول أوساط حزب الله لـ "المدن" إن القرض الحسن هو بأهمية السلاح، وإن أي إجراء قد يتّخذ ضدّه لن يمرّ مرور الكرام، لأن ضبط الشارع ليس بالأمر السهل، خصوصاً في ضوء ما تتعرّض له بيئة الحزب من حصار، وفقاً للمصادر.
الحرب الأميركية- الاسرائيلية المالية على حزب الله
ليست الحرب المالية على حزب الله أمراً جديداً، وإذا كانت اسرائيل تخوضها عسكريّاً، فإنّ أميركا تخوضها سياسيّاً، مع الإشارة إلى أن القرض الحسن مدرجٌ على لائحة العقوبات الاميركية منذ الـ 2007.
ففي الحرب المالية طالبت أميركا مصرف لبنان بحظر نشاط حزب الله المالي، ما يعني وقفَ عمل القرض الحسن وجمعية جود، بما قد يساهم بمعالجة وضع لبنان على اللائحة الرمادية ومنع انزلاقه نحو اللائحة السوداء لمجموعة العمل المالي، وهو أمرٌ تنظر إليه الحكومة اللبنانية ومعها مصرف لبنان بجدية، لما قد يرّتبه ال Para banking من مخاطر على سمعة القطاعين المالي والمصرفي.
يأتي هذا المطلب ضمن سياق تحذيرات متواصلة وجّهتها الإدارة الأميركية للبنان، وكان أقساها في تشرين الثاني الماضي عندما زار وفد من وزارة الخزانة الأميركية برئاسة مدير شؤون مكافحة الإرهاب سيباستيان غوركا بيروت، ووجه تحذيرا استراتيجياً للحكومة اللبنانية، أبرز بنوده كانت نزع سلاح حزب الله وتجفيف مصادر تمويله.
حرب أميركا المالية السياسية توازيها حرب عسكرية تقودها إسرائيل بتدمير ليس فقط فروع القرض الحسن وما تزعم أنه مستودعات لتخزين أموال حزب الله، وإنما أيضاً عبر استهداف محطات الأمانة للوقود التي يعتبرها الإحتلال الاسرائيلي أحد مصادر تمويل حزب الله ووسيلة لتأمين نقل وتحرّك مقاتليه.
حزب الله...جزء من الحكومة أم معارض لها ؟
في حكومة الرئيس نواف سلام، يعتمد حزب الله سياسة "العصا والجزرة". فمن جهة هو شريك فيها عبر وزارتي الصحة والعمل ومتمسّك بالبقاء فيها، ومن جهة أخرى ينتقد سياسات الحكومة ويتّهمها بالاستسلام لاسرائيل وبتقديم التنازلات المجانية لأميركا. ومن ثم يصرّح عضو كتلة الوفاء للمقاومة النائب حسين الحاج الحسن بأن إسقاط الحكومة في الشارع طُرح كاحتمال وليس كقرار وبأن المسار الأمني الخاطئ للحكومة قد يؤدّي إلى مواجهتها في الشارع.
كلام الحاج حسن أتى غداة رسالة الشيخ نعيم قاسم وحديثه عن أحقية الشعب في النزول إلى الشارع، فهل تحمل هذه التصريحات رسائل مبطّنة بأن المواجهة في الشارع قادمة، لاسيما في ظل رفض حزب الله بشكل قاطع التفاوض المباشر؟
على هذا السؤال ترد أوساط حزب الله بأن حديث الحاج حسن عن "احتمالٍ لا عن قرار" هو تأكيد على أن الحزب لم يتّخذ قرار تحريك الشارع، في حين أنه شريك في الحكومة ومن حقّه محاسبتها على قراراتها، إن كانت تلك المتعلّقة بخنق بيئته ماليّاً واقتصاديّاً أو بنزع سلاحه في ظلّ استمرار العدوان الاسرائيلي. إزاء هذا الواقع لا يمكن لأي عاقل أن يقبل بنزع السلاح في ظلّ وجود الإحتلال بحسب الأوساط، وعليه تكرّر الأوساط عينها أنه إذا استمرّ الحصار سيصبح من الصعب ضبط الشارع.
فهل فعلاً من يتحكّم بالشارع هو الشارع نفسه، أم أن حزب الله يراقب مصير المفاوضات الأميركية – الإيرانية ليبني على الشيء مقتضاه؟