المصدر: لوريان لوجور
الكاتب: منير يونس
الجمعة 27 شباط 2026 11:43:13
على بُعد أسابيع قليلة من اجتماعات الربيع لصندوق النقد الدولي التي ستُعقد في واشنطن في نيسان، لا يزال على الحكومة اللبنانية حسم ملف حساس يلقي بظلاله على المفاوضات: الدين البالغ 16.5 مليار دولار الذي يطالب به مصرف لبنان من الخزينة منذ سنوات، والذي شكّك وزراء المالية المتعاقبون بوجوده أو بتكييفه القانوني.
وقد جعل صندوق النقد الدولي تسوية هذا النزاع أحد الشروط الأساسية للتقدم نحو اتفاق، نظرًا لما قد يتركه من تأثير كبير على استدامة المالية العامة، في وقت يواجه فيه لبنان تحديات إضافية تتعلق بإعادة هيكلة الدين العام – بعدما تخلّف عن سداد ديونه في آذار 2020 – إضافة إلى ملف إعادة الودائع والنفقات الاجتماعية والاستثمارية للدولة. هذه العناصر مجتمعة تزيد تعقيد المشهد وتفسر إصرار الصندوق على توحيد موقف السلطات اللبنانية حول آلية واضحة وموثوقة.
جذور النزاع
يعود الخلاف إلى عام 2023، عندما قرر الحاكم السابق للمصرف المركزي رياض سلامة إدراج هذا المبلغ في ميزانية المصرف كدين مترتب على الدولة تراكم خلال سنوات سابقة. إلا أن وزراء المالية المتعاقبين رفضوا الاعتراف به بهذه الصفة القانونية.
وقد اكتسب الملف أهمية أكبر خلال النقاشات حول مشروع قانون «الفجوة المالية» وتوزيع خسائر النظام المالي. إذ أعاد الحاكم الحالي كريم صويد طرح القضية مرارًا، معتبرًا أنها أولوية لمصرف لبنان، وذهب إلى حد التصريح في مؤتمر صحافي في 8 كانون الثاني بأن المصرف يُعد «تقريرًا شاملًا» لحصر وتقييم كل الأموال التي وُضعت بتصرف الدولة اللبنانية خلال العقود الماضية، ملمحًا إلى أن المبلغ النهائي قد يصل – وفق تقديراته الأولية – إلى ثلاثة أضعاف الرقم المطروح حاليًا.
دين أم «مركز صرف»؟
في وقت سابق، شكّل كل من وزارة المالية ومصرف لبنان لجنة مشتركة لمحاولة التوصل إلى حل. وتوصل الطرفان إلى مسودة بروتوكول اتفاق أولي يعترف بوجود رصيد سلبي بقيمة 16.5 مليار دولار في حساب الخزينة لدى المصرف المركزي.
هذا الحساب، المفتوح منذ عام 2004، كان مخصصًا لتلقي عائدات إصدار سندات اليوروبوندز وتمويل مدفوعات الدولة بالعملات الأجنبية، مثل استحقاقات وفوائد تلك السندات أو شراء الفيول لصالح مؤسسة كهرباء لبنان وغيرها من النفقات بالدولار.
وبحسب مصرف لبنان، جرت هذه العمليات بناءً على طلبات رسمية من الوزارة، كما أنها موثقة في سجلاته ومؤكدة عبر عملية تدقيق أجرتها شركة KPMG.
ورغم اعتراف وزارة المالية بوجود الرصيد السلبي من الناحية المحاسبية، فإنها ما زالت تعترض على توصيفه القانوني. إذ ترى أن المصرف لم يثبت أن الحساب يشكل حسابًا جارياً مدينًا يتيح تقديم تسهيلات ائتمانية، مؤكدة أن أي قرض عام يجب أن يكون مصدّقًا بقانون يصدر عن مجلس النواب.
وتطرح الوزارة تفسيرًا آخر، مفاده أن ما جرى هو عمليات صرف عملات: أي أن مصرف لبنان كان ملزمًا بتأمين العملات الأجنبية مقابل الليرات التي أودعتها الدولة. وبالتالي لا يمكن اعتبار ذلك قرضًا، بل مركزًا سالبًا في العملات الأجنبية كان ينبغي على المصرف المركزي تغطيته.
وبذلك بقي الخلاف قائمًا، فيما أُحيل الحسم إلى «السلطات المختصة»، دون تحديد واضح لها. ومع ذلك، ينص مشروع قانون «الفجوة المالية» على أن تحديد أي دين مستحق للدولة لمصرف لبنان يتم بالتشاور بين وزير المالية والحاكم، على أن يعود القرار النهائي إلى مجلس الوزراء مع مراعاة مبدأ استدامة الدين.
من 16.5 مليار إلى نحو 4 مليارات؟
في محاولة لإيجاد مخرج، تبحث الحكومة عدة سيناريوهات. أحد أبرزها تحويل المبلغ المتنازع عليه إلى سندات دين طويلة جدًا أو حتى دائمة تصدرها الدولة لصالح مصرف لبنان.
ومن بين الطروحات المتداولة:
إصدار سند بقيمة 16.5 مليار دولار مع فائدة سنوية بين 2 و3%.
أو خفض القيمة إلى 8 مليارات مع فائدة بين 4 و5%.
أو إصدار سندات بقيمة تتراوح بين 5 و7 مليارات مع معدلات فائدة مختلفة.
الهدف الأساسي هو ضمان تدفق سنوي من الفوائد يتراوح بين 350 و450 مليون دولار لصالح المصرف المركزي.
غير أن القيمة الفعلية لمثل هذه السندات تعتمد على ما يُعرف بالقيمة الحالية، التي تأخذ في الاعتبار مخاطر الدولة ومعدل الخصم. وفي بلد مثل لبنان حيث المخاطر السيادية مرتفعة، قد يكون الفارق كبيرًا جدًا: فعلى سبيل المثال، مع معدل خصم يبلغ 12% وفائدة سنوية 3%، قد لا تتجاوز القيمة الحالية لسند اسمي بقيمة 16.5 مليار دولار نحو 4 مليارات فقط.
ومع ذلك، فإن هذا الحل لن يكون كافيًا بمفرده، إذ يتعين أن يوافق عليه صندوق النقد الدولي ضمن خطة إصلاح مالي ومالي متوسط الأجل تهدف إلى جعل الدين العام قابلًا للاستدامة ومنع تكرار التعثر.
الكلمة الأخيرة للبرلمان
يبقى العامل الحاسم هو مجلس النواب، الذي سيبحث مشروع قانون «الفجوة المالية» المرتبط عمليًا بتوزيع خسائر النظام المالي بين الدولة والمصرف المركزي والبنوك.
لكن داخل البرلمان، يسعى بعض النواب إلى تعديل ترتيب تحمّل الخسائر بحيث تتحمل الدولة النصيب الأكبر أولًا، ثم المصرف المركزي، ثم البنوك. خطوة قد تعقّد المفاوضات مع صندوق النقد في لحظة حساسة تدخل فيها المباحثات مراحلها الأخيرة