المفاوضات والقوة الدولية والمرفأ: مسارات لعزل حزب الله

ثلاثة مسارات لا بد من مراقبتها في لبنان وكلها تقود بالاتجاه نفسه. مسار المفاوضات اللبنانية الإسرائيلية المستمرة يضاف إليها البحث عن تشكيل قوة دولية لتحل مكان اليونيفيل. مسار الزيارات المتعددة التي يجريها السفير الأميركي ميشال عيسى إلى شخصيات وجهات شيعية وآخرها زيارته إلى بلدة زوطر. ومسار التحقيقات بتفجير مرفأ بيروت وما سيليها، والأسماء التي ستشملها الادعاءات. كل هذه المسارات مرتبط بعضها ببعض، وهنا لا بد من تذكر مشروع القرار الذي أرسلته وزارة الخارجية اللبنانية إلى الجامعة العربية وتشير فيه إلى قرارات الحكومة بشأن حظر حزب الله عسكرياً، إضافة إلى ورود بند عن إصدار الأحكام في قضية تفجير المرفأ. 

 

فكرة الوصاية العسكرية

يوم وقع انفجار مرفأ بيروت، وتقاطرت إلى لبنان فرق أمنية وعسكرية من دول عديدة، طرحت فكرة أساسية يومها وهي فرض وصاية أمنية وعسكرية على البلاد، وتوسيع صلاحيات قوات الطوارئ الدولية لتشمل العمل على كل الأراضي اللبنانية وليس فقط في جنوب الليطاني، ونشر قوات دولية في المرفأ والمطار وعلى كل المعابر لمنع التهريب وسحب السلاح ومنع إدخاله إلى لبنان. لم تصل تلك المساعي الى نتيجة يومها لكنها الآن تتجدد. تتجدد من بوابة المفاوضات الدولية الجارية لأجل البحث عن بديل لقوات اليونيفيل. الأكيد أن كل مساعي التمديد لليونيفيل فشلت، بينما يتركز البحث على القوة البديلة. يشترط لبنان أن أي قوة ستنتشر في لبنان يجب أن يتم ذلك بقرار صادر عن الأمم المتحدة ومجلس الأمن الدولي. في المقابل، الولايات المتحدة الأميركية تكرر في كل بيان أو تصريح تصدره بشأن لبنان، تذيّله بعبارة ان اتفاق الطار الثلاثي هو المرجع الوحيد المعتمد في تحديد إطار العلاقة بين لبنان وإسرائيل.

 

جهة صديقة للمساعدة

ينص اتفاق الإطار بوضوح على سحب السلاح من كل الأراضي اللبنانية، وتشكيل قوة دولية برضى الطرفين تشرف على سحب السلاح، والاستعانة بأي جهة دولية صديقة للمساندة في ذلك. السؤال من ستكون هذه القوة الدولية، وهذا مدار نقاش عربي وإقليمي ودولي، وبما أن لبنان يشترط نشر القوة الدولية بناء على قرار مجلس الأمن، فالمدخل الأساسي سيكون بإقرار اتفاق الإطار في مجلس الأمن، وهذا ما يعني التصديق عليه من قبل مجلس الأمن ويصبح هو المرجع في ذلك، خصوصاً بما يتعلق بالعلاقة بين لبنان واسرائيل، أو سحب السلاح، او الحدود، او التحقيقات بتفجير المرفأ ومحاكمة المتهمين. وهذا سيتيح لأي قرار أن يحظى بصلاحيات أوسع بكثير من صلاحيات اليونيفيل، وقد يصدر بند نشر القوة الدولية المشرفة على سحب السلاح تحت الفصل السابع، علماً أنه لن يتم تحديد نشر هذه القوة الدولية ضمن نطاق جغرافي معين، بمعنى أن نشرها وصلاحياتها لن تكون محصورة على جنوب لبنان.

 

مهمة القوات الدولية

هذه النقاط، تشكل عنواناً أساسياً من كل عناوين التفاوض بين لبنان وإسرائيل أو بين القوى الدولية التي تبحث عن أدوار أو عن نشر قوات لها في لبنان. وهنا لا يمكن إغفال تكرار التصريحات والتسريبات الإسرائيلية أو الأميركية أو غيرها التي تتهم الجيش بأنه لا يقوم بمهامه بسحب السلاح، ذلكَ بهدف الضغط على الجيش أكثر، علماً أنَّ إسرائيل تلوح بأن يقوم الجيش الإسرائيلي بالمهمة، أما بحال كان هناك اعتراض على مواصلة إسرائيل لعملياتها العسكرية، فإنَّ البديل المطلوب هو نشر هذه القوات الدولية التي يفترض أن تكون مهمتها سحب السلاح ومنع تهريبه إلى داخل لبنان.

 

الحكم بملف المرفأ

إلى جانب ذلك، يبقى مسار التفاوض اللبناني الإسرائيلي مستمراً ولو من دون الوصول إلى صيغة وقف لإطلاق النار من قبل إسرائيل، ومن دون توفر ضمانات بخفض التصعيد ووقف التوسع الإسرائيلي. علماً أن الضغط سيشتد سياسياً، عسكرياً، واقتصادياً لأجل تعزيز الانفكاك بين حزب الله والدولة اللبنانية، بالانطلاق من قرار الحكومة في الثاني من آذار 2026 بحظر النشاط الأمني والعسكري للحزب، وسط ضغوط جديدة لمطالبة الحكومة بإصدار قرار بحلّ حزب الله بكل مؤسساته العسكرية والسياسية والاجتماعية. وما قد يعزز هذا الطرح هو صدور الحكم بتفجير المرفأ وإذا جرى اتهام حزب الله بأنه صاحب العلاقة بما جرى وبشحنة نيترات الأمونيوم. 

 

عزل الحزب

ذلكَ يُستكمل بمسار آخر، هدفه تكريس عزل حزب الله، عن الدولة، وسياسياً، وصولاً إلى مساعي عزله اجتماعياً وشعبياً. زيارة السفير الأميركي ميشال عيسى إلى المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى وتصريحه من هناك الذي لا ينفصل عن تصريحاته الأخرى حول المطلوب تسليم سلاح حزب الله بالكامل. كما أنَّ زيارته إلى الجنوب وتحديداً زوطر الغربية لها أكثر من هدف، أبرزها ما قاله للناس بأنه يجب إخراج حزب الله كي يتم توفير المساعدات لهم لإعادة الإعمار، وهذا لا ينفصل عن معادلة واضحة رفعت منذ أشهر أن استعادة الأرض وإعادة الإعمار مرتبطتان بتسليم سلاح حزب الله وتفكيك بنيته ومنع مسؤوليه ومقاتليه من العودة إلى الجنوب أي عزل الحزب عن بيئته الاجتماعية. عملياً هذا هو المشروع المرسوم، وكل الدفع يصب في اتجاهه، أما النقاش في النتائج والتداعيات، فغير واضح المعالم، وعلى الرغم من أنه كانت هناك محاولات كثيرة من قبل تصب في هذا الاتجاه، إلا أنها حالياً تأخد الطابع الأشرس والأقسى وترتبط بمتغيرات إقليمية ودولية كبيرة.