المناطق التجريبية بين احتمالات التصعيد والهوامش القضائية والسياسية

 بين الخشية من تصعيد محتمل في لبنان على وقع تجدد الحرب الأميركية-الإيرانية والترحيب الدولي مصحوباً بارتياح شعبي وسياسي في الداخل اللبناني لخطوة انتشار الجيش اللبناني في المناطق التجريبية التي اتفق عليها في اجتماع روما الأخير بدأ الجيش تنفيذ المراحل الأولى من عملية انتشاره في القرى والبلدات الخالية تماما من أي تواجد للجيش الإسرائيلي وهي فرون في قضاء بنت جبيل وصريفا في قضاء صور وزوطر الغربية في قضاء النبطية ودبين في قضاء مرجعيون.

المشهد يستحق التوقف عنده نظراً لارتباطه بمسألة حصر السلاح بيد الدولة وتنفيذ الالتزامات التي قد تنشأ عن أي تفاهمات أو قرارات رسمية، إلا أنه يُنظر إلى هذه المهمة على أنها اختبار لقدرة الدولة اللبنانية على فرض سلطتها على كامل أراضيها، مع مراعاة القوانين الداخلية والتوازنات السياسية والأمنية القائمة.

حتى الآن لا يمكن وصف موقف حزب الله من العملية بالايجابي البحت، علماً أنه أعلن "تأييده لانتشار الجيش اللبناني على كامل الأراضي اللبنانية، بما في ذلك المناطق الجنوبية ولا يعارض تعزيز حضور الجيش أو توسيع نطاق انتشاره باعتبار أن الدولة تقوم بدورها الأمني وهذا أمر طبيعي ومطلوب". لكن الحزب يصر على التمييز بين انتشار الجيش وبين مسألة سلاحه. فهو يرفض أن يكون انتشار الجيش مقدمة لفرض نزع سلاحه بالقوة أو لتنفيذ عمليات تفتيش تستهدفه بصورة مباشرة، ويؤكد أن قضية سلاح المقاومة، من وجهة نظره، ترتبط بمواجهة إسرائيل وبالاستراتيجية الدفاعية للبنان، ويرى أن أي نقاش حول هذا الملف يجب أن يتم من خلال حوار وطني وقرار سياسي داخلي، وليس نتيجة ضغوط خارجية أو تهديدات عسكرية.

لذلك، يمكن تلخيص موقف حزب الله بأنه يقوم على ثلاثة مبادئ أساسية: دعم انتشار الجيش باعتباره المؤسسة العسكرية الشرعية للدولة، ورفض تحويل هذا الانتشار إلى وسيلة لنزع سلاحه بالقوة، والدعوة إلى معالجة ملف السلاح من خلال توافق سياسي داخلي ضمن إطار الاستراتيجية الدفاعية اللبنانية، وليس عبر إملاءات أو ضغوط خارجية. إلا أن اتفاق إطار التفاهم الذي وقعه لبنان مع إسرائيل برعاية الولايات المتحدة لا يعترف بكل هذه الشروط الأحادية التي يريد حزب الله وضعها إلى جانب منع الجيش من دخول ممتلكات خاصة إلا بإذن من القضاء والهدف منها عرقلة مسار عملية انتشار الجيش في المناطق التجريبية من لحظة انطلاقها.

مصادر مواكبة لعملية الإنتشار جنوبا تقول لـ"المركزية" أنه يجب التصويب على مسألة دخول الجيش إلى المناطق التي لا يتواجد فيها الجيش الإسرائيلي قبل المناطق التي سينسحب منها بعد دخول الجيش اللبناني. وتكمن أهمية انتشار الجيش في المناطق غير الخاضعة للإحتلال أو الوجود الإسرائيلي بمهمة تنظيفها من السلاح الموجود في المخازن والمنازل. وتلفت المصادر إلى أن الحزب يسعى إلى التقليل من أهمية خطة انتشار الجيش في المناطق التجريبية بحجة أنه "يدخل مناطق لا توجد فيها عناصر من الجيش الإسرائيلي" لكن الواقع أن السلاح الموجود فيها هو التحدي بحسب المصادر وهذا ما يجب التركيز عليه في المرحلة الحاضرة.   

بالنسبة لإسرائيل، لا يمكن الجزم مسبقاً بما ستفعله إذا اعتبرت أن عملية نزع السلاح لم تحقق أهدافها، لأن قراراتها العسكرية والسياسية تعتمد على تقديراتها للتهديد والظروف الإقليمية والدولية في ذلك الوقت. ومع ذلك، فإن السيناريوهات المتوقعة، استمرار الضغوط الدبلوماسية على الدولة اللبنانية، أو تنفيذ عمليات عسكرية محدودة تستهدف مواقع تعتبرها إسرائيل مرتبطة بقدرات عسكرية تهدد أمنها، أو اللجوء إلى وسائل استخباراتية وأمنية مختلفة.

ميدانياً، يقول العميد المتقاعد جورج نادر أن المناطق التي دخلها الجيش اللبناني "محتلّة بالنار من قبل إسرائيل" أو ما يعرف باللغة العسكرية"مضروبة بالنار" وهي خالية من المدنيين ولا وجود لقوات عسكرية برية فيها ولا معلومات حتى الآن عن إمكانية تواجد عناصر تابعة لحزب الله فيها. لكن كونها محتلة بالنار لا يمكن لأحد الدخول إليها لكن المشكلة تكمن في السماح للجيش بدخول الممتلكات للبحث عن مخازن أسلحة".

وفي هذا السياق، يوضح نادر: "من الناحية القانونية، يخضع عمل الجيش اللبناني للقوانين اللبنانية التي تكفل حرمة المنازل وتحمي حقوق المواطنين، ولذلك لا يملك صلاحية دخول المنازل وتفتيشها بصورة عشوائية أو القيام بحملات شاملة من دون أساس قانوني. وفي الظروف العادية، يتم أي تفتيش بناءً على قرار أو إشارة من السلطة القضائية المختصة، أو في حالات استثنائية يجيزها القانون، مثل الجرم المشهود أو الظروف الأمنية الطارئة التي تستدعي تدخلاً فورياً. وبالتالي، فإن أي عملية تهدف إلى ضبط أسلحة موجودة داخل المنازل يجب أن تتم وفق الإجراءات القانونية، وليس بمجرد قرار ميداني.

ويضيف "لكن ما يثير الشك أن آثار القصف والدمار في المناطق التي دخلها الجيش تؤكد أن هناك مخازن أسلحة، وأنا لا أبرر طبعا اسباب القصف والدمار، لكن الوقائع تدل أن كانت توجد مخازن أسلحة في غالبية البيوت التي كانت مُستأجرة من قبل حزب الله إلا أن الدخول إليها من قبل الجيش يحتاج إلى أمر قضائي. لكن يمكن أن تصدر فتوى قضائية تسمح له بالدخول وتفتيش المنازل أو من خلال قرار يصدر عن مجلس الوزراء لتأمين الغطاء السياسي وفي هذه الحال لا يعود هناك موجب قانوني للحصول على إذن قضائي".

ويختم نادر "أي تعثر في هذه المهمة قد يؤدي إلى استمرار التوتر والضغوط، وربما إلى تصاعد المخاطر الأمنية ولا يمكن الجزم بشكلها أو توقيتها مسبقاً".