المودعون غابوا عن الساحات: استراحة محارب أم تسليم بالأمر الواقع؟

افتقد الوسط الشعبي في الآونة الأخيرة، صراخ وغضب الحراك المطلبي الذي غطّى الساحات إعتراضا، وملأ الشاشات تهديدا ووعيدا، وأنتج جمعيات وحركات، وتنسيقيات، إتخذت كل واحدة منها إسما ومهمة، حملت من خلالهما مطالب فيها السياسي والإجتماعي والإقتصادي، وكل ما يمت بصلة إلى أهداف ما عُرِفَ بـ"الثورة" والثائرين.

أكبر أوجاع اللبنانيين حينذاك كانت ولا تزال، قضية احتجاز ودائعهم في المصارف، وفقدان قيمتها الشرائية، وعدم قدرة أصحابها على الوصول إليها كاملة، والوجع المعنوي والإنساني الذي أصاب مليونا و800 ألف مودع تقريبا، خسروا، إلى جنى أعمارهم، إستقرارهم المعيشي والصحي والإقتصادي.

فما سرّ الغياب الحالي للجمعيات المطالِبة بحقوق المودعين عن الشارع؟ وما هي الضغوط التي أجبرتهم على ترك الساح؟ وما الوعود والعطاءات التي أقنعتهم بالبقاء بعيدا عن أبواب المصارف؟

في نظرة بانورامية شاملة الى الحراك المطلبي، لا يجد مراقب متابع حرجاً في القول إن "حراك المودعين في الشكل والمبادرة، يشبه تماما الحراك الشعبي العام في اندفاعته وتقهقره، وما أصاب "الثورة" عموماً أصاب المودعين أيضاً. ولم يكن هذا الإنكفاء طوعيا أو إختياريا، بل لمجموعة عوامل ليس أقلها قسوة ضربات الجزاء والعصا الغليظة للسلطة، التي واجهت بها المتظاهرين الغاضبين بإسراف مستغرب".

يضاف الى ذلك الملل الذي تسرّب الى النفوس والهمم، لقناعة سادت لدى الغالبية الشعبية بأن مشروع إستعادة الودائع أكبر بكثير من قدرة المصارف شبه المفلسة، واحتياطات مصرف لبنان الموقوفة لتثبيت الاستقرار النقدي، والغياب الجدي للدولة عن الملف، وتركها المودعين والمصارف في مواجهة بعضهم البعض.

ولا تغيب الأخطاء الإستراتيجية التي ارتكبها المودعون في طريقهم الى تثبيت حقوقهم، وخصوصا في حصر معظم حراكهم عند أبواب المصارف ومصرف لبنان، فيما كان الواجب أن يشمل احتجاجهم وغضبهم المواقع والمقار الرئيسية في الدولة، وعناوين المسؤولين الفعليين عن الهدر والفساد والفوضى المالية التي أدت إلى انهيار الاقتصاد والنقد وفقدان السيولة في خزائن المصارف.

كذلك لا يخفى حجم التباين حد التناقض أحيانا، وفقدان ثقة متبادل بين قادة حراك المودعين، وتعدد الخطاب المطلبي لديهم، وعدم التفاهم على استراتيجية موحدة للتفاوض على قاعدة صلبة مع الدولة وجمعية المصارف، بل سمع اللبنانيون الكثير من الشعبويات أحيانا، ومطالب تنفي المعطيات على أرض الواقع كليا أي قدرة على تحقيقها، بالرغم من أحقيتها.

أمام هذا الواقع، تؤكد مصادر معنية أنه "لا يمكن لأحد التكهن بمصير الودائع، ولا بمصير المصارف المعني الأول بالأزمة. لكن يبقى التزام المودعين بالمثابرة على المطالبة بحقوقهم، بعيدا من "العنف الثوري" الذي مورس مرات عدة على أبواب المصارف من دون جدوى، وإبعاد خطابهم عن الشعبوية والتوجهات السياسية التي تناهض إيديولوجيا وجود المصارف الخاصة، والدخول في مسار حواري مع جمعية المصارف والمعنيين بالملف المصرفي، لبناء حد مقبول من الثقة، يمكن معها الذهاب الى خطة مشتركة للخروج من الأزمة بأقل أضرار وخسائر ممكنة".

حقوق المودعين كانت ولا تزال هي المصاب الأليم والأقسى على جسم الاقتصاد، وإعادة الودائع هي الملف الأكثر عصيّة على الحل، من بين جميع المشكلات الاقتصادية لكلفته الباهظة، والحاجة الى عشرات المليارات لإقفاله. فهل من تحرك قريب للمودعين لتحريك الملف مجددا؟

رئيس جمعية المودعين حسن مغنية الذي يغرد باستمرار في السياسة، أكد أنه يُفترض أن يكون للجمعية تحرك الاسبوع المقبل، استدرك قائلا: "لا اعرف ما إذا كان التحرك مجدياً في هذا التوقيت بالذات حيث لا يمكن حشد مودعين للانضمام الى التحرك".

وفي حين كان زخم تحركات المودعين قياسيا في الاعوام التي تلت الـ2019، أقر مغنية بتراجعها بشكل ملحوظ، "في حين أنها مجمدة حاليا بالاستناد الى الاوضاع السائدة في غزة وجنوب لبنان. أما التحركات باتجاه المسؤولين فهي مستمرة، وكان آخرها لقاءات مع رئيس الحكومة نجيب ميقاتي ونائبه سعادة الشامي حول خطة الحكومة ومصير "الكابيتال كونترول"، إذ اكدنا رفضنا لكل مقترحات الحكومة وخططها".

ولكن يبدو أن المودعين تأقلموا مع الوضع، وفق ما يقول مغنية، وتاليا هم لا يحركون ساكنا بعدما رضوا بالقليل عبر التعميم 158 (المتعلق بسقف السحوبات الشهرية بالدولار) وقبله الـ151 المتعلق بالسحوبات النقدية باللولار. ولكن هل هذا يعني وقف تحركات الجمعية؟ يؤكد مغنية ان "الجمعية كانت في صدد تنظيم تحرك باتجاه مصرفين لا يتعاونان مع المودعين، بيد انه كان ثمة آراء داخل الجمعية لتأجيل التحرك الى حين هدوء الوضع في غزة والجنوب اللبناني لكي يكون التحرك ذا جدوى. على كلّ النقاشات لا تزال مستمرة في انتظار القرار النهائي".

قضائيا، وعلى رغم أن القضاء اتخذ إجراءات تجاه بعض المصارف تحت عنوان استرداد المودعين لأموالهم المحتجزة، يؤكد مغنية ان "جمعيتنا وبقية جمعيات المودعين تحركوا قضائيا على كل الصعد المحلية والخارجية، ولكن للاسف لم تفضِ الى اي نتيجة منذ 17 تشرين حتى يومنا هذا". وأضاف: "لنقلها صراحة، أموال المودعين التي تقدَّر بنحو 100 مليار دولار هي أموال غير موجودة في المصارف. يوجد نحو 9 مليارات دولار كاحتياط الزامي في مصرف لبنان فقط، يمكن ان تجيّر لعدد محدود جدا من المودعين، ولكن ماذا عن البقية؟".

 

تواصل مع المصارف؟

بعد أكثر من شهر على العدوان الإسرائيلي على غزة والتوتر المستمر على الحدود الجنوبية للبنان، جُمدت تحركات المودعين مبدئيا تجاه المصارف الى حين استقرار الأوضاع.

توازياً، يستمر تواصل جمعية "صرخة المودعين" مع حاكم مصرف لبنان بالإنابة وسيم منصوري لوضع خريطة طريق يمكن أن يحصل من خلالها المودعون على اموالهم والتحذير من تشريع صرف الـ 8 مليارات و600 مليون دولار لخطة الطوارىء الحكومية. واقترح بعض اعضاء الجمعية زيادة المبالغ الشهرية للمودعين عبر التعميم 158 ليصبح ألف دولار شهريا، وكانت اجابة منصوري منطقية وفق ما يقول رئيس جمعية "صرخة المودعين" علاء خورشيد لـ"النهار"، إذ "أوضح الحاكم بالانابة أنه لا يمانع زيادة المبالغ، ولكنه سأل في المقابل ماذا لو نفد المبلغ فيما الدولة لم تتحمل مسؤوليتها، ولم تنجز اي خطة، ساعتئذ تكون القضية بحكم المنتهية بما قد ينعكس سلبا على المودعين".

وفي السياق، تؤكد مصادر مصرف لبنان أن الحاكم بالانابة ليس أصلا في وارد استخدام ما تبقّى من أموال المودعين لتمويل خطة الطوارىء، اللهمّ الا اذا كان ثمة تعهد بردّ الاموال والايرادات المتوقعة بالارقام على "الورقة والقلم" مع موافقة كل الافرقاء السياسيين. ومع ذلك، تؤكد المصادر أن منصوري يمكن ان لا يوافق على التمويل، اذا لم يقتنع بالخطة التي ستقدمها الحكومة لاعادة الاموال، خصوصا أن هذه الاموال هي ملك للمودعين. وإذ أوضحت المصادر أن المطلوب هو نحو 400 مليون دولار كدفعة اولى لتمويل الخطة، أشارت الى أن مصرف لبنان يملك مبلغا موازيا تقريبا، لكنه مخصص للتدخل في السوق لضبط سعر صرف الدولار عند الحاجة. وتشير الى أن "كل الكلام حاليا لن ينفع، طالما أن لا تشريع في مجلس النواب حاليا، وهو ما يشترطه منصوري للتصرف بأموال الاحتياط".

وتحدث خورشيد عن بيع الاوهام للمودعين عبر الوعود التي قطعها السياسيون لهم من خلال صندوق استرداد الودائع، معتبرا أن الموضوع لا يعدو كونه "سمكاً في البحر"، وتاليا "لا ثقة بالدولة ولا بالسياسيين ولا بالخطط التي يضعونها، فما يهم السياسيين هو الهروب الى بر الأمان والتهرب من هذه الأزمة، ولو أنهم فعلا جديون لكانوا أقروا "الكابيتال كونترول" عندما وقعت الازمة في 2019، شأنهم في ذلك شأن قبرص التي أقرته بعد أسبوع واحد من وقوعها بأزمة مماثلة للبنان".

وعلى الصعيد القضائي، يؤكد خورشيد أنه كان للجمعية لقاءات مع رئيس مجلس القضاء الأعلى ورئيس مجلس شورى الدولة وعدد من القضاة خلصت الى اقتناع تام بأنه حتى في حال صدور حكم قضائي فإنه لن ينفّذ. وفيما عوّل على الدعاوى التي تُرفع خارج لبنان، استدرك بالقول: "لكن المشكلة أنها تحتاج الى إجراءات محددة بحسب الدولة التي يقدم منها المودع الدعوى، وأولها أن يكون لديه جنسية البلد التي تُقدم الدعاوى فيها"، مشيرا في السياق الى أن المودع فاروج مانوكيان المقيم في لندن حصل على وديعته البالغة 6 ملايين دولار، إلا أنه دفع نحو مليون ونصف مليون دولار لمكتب المحاماة، وهو ما يعجز عن تسديده الكثير من المودعين.

في الانتظار، وفي ظل غياب الحل الشامل لأزمة المودعين تحاول الجمعية فتح ابواب التواصل مع المصارف بغية مساعدة المودعين الذين يعانون من ظروف انسانية طارئة، كالحالات المرضية وتسديد الاقساط المدرسية وغيرها من الامور، و70% من هذه الحالات تتم معالجتها مع المصارف، على أمل أن نصل الى معالجة جذرية للموضوع، وفق خورشيد.

حاليا، جمدت الجمعية تحركاتها كلها، على خلفية الحرب على غزة والجنوب اللبناني حتى لا تكون تحركاتها عاملا سلبيا لزيادة التوتر الداخلي واحتراماً للشهداء الذين يسقطون بفعل العدوان الإسرائيلي.