الموقف الصارم لنواف سلام: قطع الطريق أمام "الفيدرالية الوزارية"

شهدت القاعة العامة لمجلس النواب اللبناني، خلال الجلسة التشريعية المخصّصة لإقرار قانون العفو العام، محطة مفصلية في أدبيات إدارة الدولة وتطبيق الأحكام الدستورية. فقد تجاوز رفض رئيس الحكومة الدكتور نواف سلام السماح لوزير الدفاع الوطني ميشال منسى بإلقاء كلمة ينقل فيها تحفظات قيادة الجيش، حدود المشادة اللفظية التي تدخل رئيس المجلس نبيه بري لاحتوائها، ليتجسد كاصطدام صريح بين مفهوم الانضباط المؤسساتي للسيادة الملتزم بالنص الدستوري، ومحاولة تكريس الفيدرالية الوزارية التي يتعامل فيها الوزير مع وزارته كمحمية مستقلة عن التوجهات الحكومية الجامعة.

إن القراءة الدستورية والسياسية للسلوك الذي أبداه وزير الدفاع تُشكل إدانة صريحة لأدائه السلكي والسياسي، لكونه يُمثل خروجاً عن أصول النظام البرلماني وتجاوزاً صارخاً لجوهر دستور الطائف.

-أولاً: المرجعية القانونية والتكييف الدستوري

يرتكز التكييف القانوني لإدانة موقف وزير الدفاع على ثلاثة مستندات قانونية ودستورية حاسمة تمنع تشظي السلطة التنفيذية أمام السلطة التشريعية:

1. الخرق المباشر للمادة 64 (البند 1 و2) من الدستور

تحسم المادة 64 المسألة بشكل مباشر؛ فرئيس مجلس الوزراء «يمثّل الحكومة» و»يتكلم باسمها»، وهو المسؤول عن تنفيذ السياسة العامة التي يضعها مجلس الوزراء. ينشئ هذا النص مبدأ التضامن الوزاري الموحد (Solidarité gouvernementale) المقتبس من النظام البرلماني؛ فالحكومة تتحدث بصوت واحد أمام السلطة التشريعية، وهذا الصوت هو صوت رئيسها حصرًا، لا صوت كل وزير على حدة. وبذلك، فإن رئيس الحكومة هو الناطق الرسمي والوحيد باسم السلطة الإجرائية، وتُعد محاولة وزير الدفاع انتزاع المنبر لإعلان موقف مستقل بمثابة تعدٍّ صريح على هذه الصلاحية الحصرية.

2. التفسير القاصر للمادة 67 وتهافت رأي «المفكرة القانونية»

تمنح المادة 67 الوزراء حق حضور جلسات المجلس وطلب الكلمة والاستماع إليهم. إلا أن هذا النص ينظّم آلية إجرائية ولا يُنشئ استثناءً من المادة 64؛ فحضور الوزير وكلامه مشروطان ضمنياً بعدم مناقضة الموقف الحكومي المُقر.

وفي هذا السياق، تطرح بعض الجهات، قراءة مغايرة مفادها أن رئيس الحكومة لا يمارس سلطة تراتبية مباشرة على الوزير داخل وزارته. لكن هذه القراءة تخلط بوضوح بين الاستقلالية الإدارية للوزير في تسيير إدارته يومياً، وحقه في تمثيل موقف سيادي مستقل أمام البرلمان؛ إذ إن الأخير صلاحية حسمتها المادة 64 لرئيس الحكومة دون غيره.

3. أصول التدرج السلطوي في قانون الدفاع الوطني

ينص قانون الدفاع الوطني (المرسوم الاشتراعي رقم 102/1983)، في مادتيه 2 و55، على خضوع المؤسسة العسكرية ووزارة الدفاع للسياسة العامة التي يضعها مجلس الوزراء والمجلس الأعلى للدفاع. وبالتالي، فإن تحفظات قيادة الجيش على تخفيف العقوبات عن موقوفين قاتلوا عناصر من الجيش مهما كانت وجاهتها الوطنية أو المهنية، مسارها الدستوري الصحيح هو مجلس الوزراء أو المجلس الأعلى للدفاع، وليس صحن القاعة العامة للمجلس النيابي أثناء التصويت.

-ثانياً: التحليل السياسي للأزمة والأثر العملي

تُظهر قراءة خلفيات الأزمة أبعاداً سياسية تُعمق الإدانة المسلكية لوزير الدفاع وتُبرز صوابية حزم رئيس الحكومة:

1. تسجيل الموقف والاستعراض الإعلامي

كشفت المصادر النيابية المتطابقة أن موقف الوزير سواء أُتيح له عرضه أم لا، لم يكن ليغيّر نتيجة التصويت، إذ كان مشروع قانون العفو يحظى أصلًا بأغلبية نيابية وتسوية سياسية مسبقة. وهذا يؤكد أن الاعتراض لم يكن يخدم غاية تشريعية بقدر ما كان استعراضاً علنياً ومحاولة لتسجيل موقف مستقل يُضعف القوة التفاوضية للحكومة ويمنح الكتل المعارضة مادة لتوسيع الانقسام.

2. مس هيبة الدولة والانضباط السلكي

إن نقل التباينات إلى العلن وأمام وسائل الإعلام يتنافى مع أصول العمل البرلماني والانضباط المفترض بمسؤول عن وزارة سيادية. ولقد ظهر هذا التصرف وكأنه استقواء بموقع الإدارة العسكرية في مواجهة السلطة السياسية الإجرائية، وهو ما تصدى له رئيس الحكومة نواف سلام بحزم صوناً لهيبة رئاسة الحكومة ومؤسسات الدولة.

•الخلاصة الدستورية

تتقاطع النصوص الدستورية والقانونية عند حقيقة واحدة: تمثيل الحكومة أمام البرلمان صلاحية حصرية لرئيسها. وما قام به وزير الدفاع ميشال منسى يُشكل سقطة سياسية وتجاوزاً سلكياً يمس بالقواعد التأسيسية للتضامن الوزاري والنظام الداخلي للعمل الحكومي. لقد أثبت الموقف الصارم لرئيس الحكومة الدكتور نواف سلام أن إدارة الدولة لا تخضع للاجتهادات الفردية، وأن الدستور اللبناني حسم بوضوح وجود رأس واحد وممثل وحيد للسلطة التنفيذية أمام السلطة التشريعية والجامعة الوطنية.