المصدر: النهار
الاثنين 16 آذار 2026 06:57:17
تبدو الأيام المقبلة وتحديداً الفاصلة عن عيد الفطر أشبه بالمرحلة الاختبارية الحاسمة لسباق اتّخذ طابعاً شديد السخونة في الساعات الثماني والأربعين الماضية، ما بين تقدم مؤشرات العملية البرية الإسرائيلية في جنوب لبنان والجهود الديبلوماسية المحمومة للجم اندفاعات الاجتياح بإحياء عملية تفاوضية قد تكون الأولى التي تكتسب طابعاً مباشراً بين لبنان وإسرائيل منذ المفاوضات التي أدت إلى اتفاق 17 أيار 1983.
وعلى رغم رجحان كفة الخيار العسكري الذي أكثر ما تمثّل في التقدم اللافت للآلة الإسرائيلية في بلدة الخيام أمس فإن، ذلك لم يبدّد تماماً الغموض الواسع الذي غلّف مصير مشروع المفاوضات اللبنانية الإسرائيلية بعدما بات المادة الرئيسية للإعلام اللبناني والإسرائيلي وبعض الإعلام الأميركي في الساعات الأخيرة، بما لا يمكن معه تجاهل تزخيم الاتصالات الجارية بكثافة في الكواليس على وقع تسمية مسؤولين إسرائيليين وإميركيين لإدارة ملف هذه المفاوضات المحتملة، كما تسمية الرئاسة اللبنانية لمعظم أعضاء الوفد اللبناني الذي ستناط به مهمة التفاوض حين تكتمل التفاهمات على المفاوضات موعداً ومكاناً وجدول أعمال.
غير أن المعطيات التي تسارعت في الساعات الأخيرة بدت حاسمة لجهة استبعاد أي موعد مستعجل أو مبكر لانطلاق سيناريو المفاوضات قبل جلاء أساسي للاتجاهات العسكرية والميدانية الإسرائيلية في الجنوب ولبنان أولاً، وبتّ العقدة اللبنانية الجوهرية المتصلة بممانعة واضحة للفريق الشيعي بتسمية أحد ضمن الوفد المفاوض وتالياً رفض المفاوضات قبل وقف النار على الأقل. وهو الأمر الذي لم يبدّده تلطيف رئيس مجلس النواب نبيه بري لموقفه الرافض ضمناً لتركيب الوفد المفاوض أو الشروع في المفاوضات، إذ اعتبر "أنّ موقفه إيجابي تجاه مبادرة رئيس الجمهورية جوزف عون ومساعيه، وأمّا تسمية شيعي في الوفد المفاوض من عدمه، فرهن وقف إطلاق النار".
ولم يكن الموقف الإسرائيلي ليترك أدنى شك في عدم ترك الآمال اللبنانية والمساعي الفرنسية الداعمة بقوة لمبادرة الرئيس عون تأخذ مداها، إذ إن تل أبيب أسقطت أولوية التفاوض أمام أولوية نزع سلاح "حزب الله" ومضيها في العمليات الميدانية والغارات وعمليات الاغتيال في الشقق السكنية، معلنة في الوقت نفسه في تطور تصعيدي خطير أن لديها اتّجاه إلى إلغاء الاتفاق الحدودي البحري بين لبنان وإسرائيل.
تزامن ذلك مع تطور ميداني شكّل المؤشر الأقوى على تطوّر العملية البرية وتمثّل في وصول الجيش الإسرائيلي إلى ساحة الخيام مع تقدم رتل من الآليات من تلة الحمامص في اتجاه البلدة، فيما تتواصل الغارات الإسرائيلية اليومية شاملة الجنوب والبقاع والضاحية الجنوبية لبيروت.
وإذ نقلت وسائل إعلام عن مسؤولين أن إسرائيل نقلت قوات برية ومدرّعة إضافية إلى الحدود الشمالية، أعلن وزير الخارجية الإسرائيلية أن بلاده لا تنوي إجراء محادثات مباشرة مع الحكومة اللبنانية في الأيام المقبلة. وقال: "نتوقع من الحكومة اللبنانية اتّخاذ خطوات جادة لمنع حزب الله من إطلاق النار على إسرائيل". كما أن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أكد أمس "أننا نقوم بأمور لا أستطيع الإفصاح عنها الآن، لكننا نقوم بأمور تُلحق ضرراً بالغاً بإيران، حتى اليوم، ولبنان أيضاً" وفق تعبيره.
من جهتها، أفادت وكالة الصحافة الفرنسية بأن إسرائيل تنفي أي توجّه لديها لإجراء محادثات مباشرة مع لبنان لإنهاء الحرب. وأطلق وزير الطاقة الإسرائيلي تهديداً بقوله: "اتفاقية الغاز مع لبنان ولدت في ظروف غير شرعية ويجب اتّخاذ إجراءات لإلغائها".
في غضون ذلك، أفاد مسؤولون إسرائيليون وأميركيون، أن إسرائيل تخطّط لتوسيع عمليتها البرية في لبنان بشكل كبير، بهدف السيطرة على كامل المنطقة الواقعة جنوب نهر الليطاني وتفكيك البنية العسكرية لـ"حزب الله". وقد بدأت ترجمة هذا الاتّجاه تتضح مع تقطيع الأوصال جنوبا بالإغارات على عدد من الجسور الحيوية التي يبدو استهدافها مؤشراً ميدانياً أساسيا لإطلاق عملية برية حين تحدّد لها الساعة الصفر، علماً أن الاحوال الجوية الراهنة قد تملي التريّث في تحرّك بري واسع.
في الملف التفاوضي كانت المعلومات المثيرة للاهتمام تلك التي أوردتها صحيفة "هآرتس" الإسرائيلية السبت، والتي قالت بحسب مصادرها، إن ممثلين عن إسرائيل ولبنان من المتوقع أن يعقدوا جولة محادثات خلال الأيام المقبلة، في إطار مساعٍ لبحث التطورات الأمنية بين الجانبين. ونقلت الصحيفة عن أحد المصادر أن الوزير الإسرائيلي السابق رون ديرمر، الذي كلّفه رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو بمتابعة الملف اللبناني، قد يجري مفاوضات مباشرة مع ممثلين لبنانيين. كما أشارت إلى أن الولايات المتحدة تشارك في هذه المبادرة، حيث يقود جاريد كوشنر، صهر الرئيس الأميركي دونالد ترامب، الجهود من جانب واشنطن.
وأما المعلومات الأكثر أهمية، فتمثلت في ما أورده موقع أكسيوس الأميركي من ان الحكومة الفرنسية صاغت مقترحًا لإنهاء الحرب في لبنان، يتطلب من الحكومة اللبنانية اتخاذ خطوة غير مسبوقة تتمثل في الاعتراف بإسرائيل، وأن المقترح يقضي بأن يعلن لبنان استعداده لفتح مفاوضات حول اتفاق دائم لعدم الاعتداء مع إسرائيل، وبعد توقيع اتفاق عدم الاعتداء ستنسحب إسرائيل من خمسة مواقع في جنوب لبنان تسيطر عليها قواتها منذ تشرين الثاني 2024. وأوضح الموقع أن إسرائيل والولايات المتحدة تقومان حاليًا بمراجعة المقترح، فيما وافقت الحكومة اللبنانية على الخطة كأساس لمحادثات السلام. ويأتي ذلك في ظل قلق عميق من أن الحرب المتجددة، التي اندلعت بعد هجمات صاروخية شنّها حزب الله على إسرائيل، قد تؤدي إلى تدمير البلاد. ولكن وزارة الخارجية الفرنسية سارعت إلى إصدار بيان نفت فيه هذه المعلومات وأعلنت أنه "لا يوجد خطة فرنسية".
وقالت: "لقد دعمت فرنسا انفتاح السلطات اللبنانية على إجراء محادثات مباشرة مع إسرائيل، واقترحت تسهيلها. وسيعود إلى الأطراف المعنية، والأطراف وحدها، تحديد جدول أعمال هذه المناقشات".
وكان الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون عرض علناً استضافة محادثات مباشرة لوقف إطلاق النار بين إسرائيل ولبنان في باريس.
وفي الأصداء الداخلية البارزة للحرب الجارية، ركز البطريرك الماروني الكاردينال مار بشارة بطرس الراعي عظته أمس على إبراز "ثبات أهلنا في الجنوب في أرضهم رافضين هجرتها، وهم يرفضون هذه الحرب، بل يريدون الحياة في أرضهم بكرامة وسلام مع الجميع، ونحن نؤيّدهم". وقال: "نذكر الذين اضطروا إلى ترك بيوتهم وأراضيهم وبلداتهم جرّاء هذه الحرب المدمّرة عبثيًّا والمرفوضة رسميًّا وشعبيًّا. أناس تهجّروا من بيوتهم فجأة، تركوا ذكرياتهم، تركوا الأرض التي عاشوا عليها وتعبوا فيها، وحملوا أولادهم وأطفالهم وقلقهم وساروا في طرقٍ لا يعرفون إلى أين تقودهم. عائلات لبنانية من مسيحيين ومسلمين غادرت قراها تحت وطأة الخطر، لا تعرف متى تعود، ولا تعرف أين سيكون بيتها المؤقت، ولا تعرف أي مستقبل ينتظر أبناءها. ولهؤلاء نقول: أنتم لستم وحدكم. الكنيسة معكم، والوطن معكم، وضمير الإنسان الحر معكم، وكل قلب مؤمن يشعر بوجعكم ويعرف أن الطريق مهما طال لا يمكن أن يسلب منكم حق العودة إلى أرضكم وكرامتكم". وأضاف: "في هذه الظروف الصعبة، يجدر بنا جميعًا حماية الدولة ورئيسها وجيشها وقائده. فالوقت العصيب وقت دفاع لا وقت أحكام مسبقة، ووقت مزيد من الثقة لا التنكيل. فجميعهم يعملون بحكمة وشجاعة ودراية ومعرفة لخفايا الأمور أكثر من غيرهم. وهم جديرون بالتقدير والتشجيع، وتقييم جهودهم وتضحياتهم، واحترام إمكانياتهم. وفي وقت الحرب الضروس لا مجال لتغيير القادة، كما تعلّمنا الحكمة".
يشار إلى ان وزارة الصحة العامة أفادت في التقرير اليومي الصادر عن مركز عمليات طوارئ الصحة أن العدد الإجمالي للضحايا منذ 2 آذار حتى 15 آذار بلغ 850، وعدد الجرحى 2105. وسجّل التقرير ارتفاعاً في عدد الشهداء الأطفال إلى 107.