النازحون فرّوا بثياب النوم: خذلان وشعورٌ بالإهانة

على مقعد سيارة، على رصيفٍ بارد، على كرسي بلاستيكي أمام مدرسة تحوّلت فجأة إلى مركز إيواء. أطفال برؤوسٍ مائلة إلى الزجاج، نساء بعباءات سوداء، ورجال يحملون أكياساً أكثر مما يحتملون من أسئلة. هكذا استقبل النازحون فجر بيروت: بلا بيت، بلا خطة، وبلا يقين إن كانوا سيعودون مساء.

في ذلك الفجر، حين تكون المدينة بين نفسين ـ نفسٍ أخير من الليل ونفسٍ أول من النهار ـ جاء القصف كصفعة مفتوحة على وجهها. لا إنذار يسبق الصوت، لا تمهيد، فقط ارتجاجٌ في الزجاج، وارتباك في القلوب، وهروبٌ بلا بوصلة. صواريخ أُطلقت من جنوب لبنان، وردّ إسرائيلي جاء أثقل من قدرة الأحياء على الاحتمال. خلال دقائق، تحوّل السحور إلى إنذار جماعي.

الشعور بالإهانة

الهروب فجراً له طعم الإهانة. الناس ممتعضون، غاضبون، يشعرون أن "البهدلة" أصابت كرامتهم قبل جدران بيوتهم. أحد الشبان، وهو يرمق نساء خرجن بثياب النوم، يتمتم بمرارة: "مش عيب هيك يصير في نسائنا؟".

تمشي في مدينة بيروت المختلّة الإيقاع، سيارات محمّلة حتى السقف بحقائب وحرامات وأكياس. داخلها وجوه باهتة، نائمة من التعب لا من الطمأنينة.

نساء خرجن كما هنّ، بعضهم بثياب النوم، أخريات بعباءات سوداء. عيون متورمة. أطفال يمسكون دمىً صغيرة كأنها آخر ما تبقى من البيت. بعضهم نام في السيارة، رأسه مائل إلى زجاج النافذة. آخرون جلسوا على الكراسي العامة، أو على حافة الرصيف، يحدّقون في فراغ لا يقول شيئاً.

تحاول أن تقترب بالكاميرا. الردّ متشابه: "لا، بلا تصوير". ليس خوفاً من الظهور. بل امتعاض. خذلان. شعورٌ بالإهانة. كأنهم يقولون: لسنا مشهداً إضافياً في نشرة الأخبار. 

ساحة الشهداء والكورنيش البحري

في ساحة الشهداء، تجلس نساء على الرصيف كأنهن استسلمن مؤقتاً لفكرة الانتظار. أكواب قهوة ورقية بين أيديهن، وبعضهن يشعلن أركيلة. الحقائب مصطفّة عند الأقدام، شاهدة على خروج ليليّ لم يكن مخطَّطاً له. نزحن مع الفجر، بلا وقتٍ كافٍ لغير الضروري.

واحدة منهن تنظر إلى الأرض طويلاً قبل أن ترفع رأسها وتقول لـِ "المدن": "إذا بدي إحكي بفلت… أنا مع التطبيع، بس ريّحونا بقى".

ليست جملة سياسية بقدر ما هي تنهيدة ثقيلة، خرجت من صدر ضاق بما يكفي من الخوف والتعب والركض.
تضيف أخرى، وعيناها محمرّتان من السهر والبكاء "عزاء إمّي كان مبارح… الأجر لم يسمحوا لنا بإكماله".

على الكورنيش البحري، معظم الناس أفطروا اليوم على غير عادتهم. بعضهم يبرّر: "على سفر". آخرون يعترفون بصوت خافت: "مش قادرين". الصيام يحتاج إلى طمأنينة، إلى بيت، إلى روتين لم يُكسر فجراً.

عائلات نزحت من الجنوب، وأخرى من الضاحية. الجميع يروي الحكاية نفسها، كأنها نُسخت على عجل: كانوا يتسحّرون. سمعوا الضربة الأولى. ثم الثانية. حملوا أولادهم وخرجوا. ساعات طويلة أمضوها على الطريق هاربين مع ازدحام ليلي. محطات وقود مقفلة. خوفٌ يتضخّم مع كل دقيقة، ويتمدد في الصدور.

تقول سيدة تحدّق في الأفق، كأنها تنتظر جواباً من البحر "لم نجد مكاناً نلجأ إليه… فأتينا إلى هنا. إن شاء الله نرجع عبيوتنا".

يقاطعها رجل بمرارة واضحة "شفنا أصحاب البيوت شو عملوا… الله يفرجها". جملة قصيرة، لكنها تكفي لتقول الكثير عن أبوابٍ أُغلقت وأسعار ارتفعت في لحظة ضعف.

شاب في العشرينات يتابع الأخبار على هاتفه، إصبعه يمرّ بسرعة فوق الشاشة. يقول "كنا قاعدين فجأة بلّش الضرب… هربنا ركض، ناطرين نشوف شو بدنا نعمل". ثم يرفع رأسه، بنبرة نصفها غضب ونصفها عناد "هالفترة بس نطوّل بالنا… رح ندعس بقلب إسرائيل".

مراكز الإيواء

في مراكز الإيواء، الأبواب أشبه بحاجز بين عالمين. في الداخل ضيق لا يتّسع للمزيد، وفي الخارج قلق لا يعرف أين يضع نفسه. أصوات متداخلة، أطفال يبكون بإرهاق لا بدموع فقط، رجال يحاولون التفاهم، ونساء يلتفتن حولهنّ كأنهنّ يبحثن عن النجاة.

نطلب الدخول. يأتي الردّ من أحد المسؤولين، بنبرةٍ تختصر المشهد كله"الوضع بعده مكركب… والناس مكركبين".

خارج الباب، عائلة تتفاوض. الأب يحاول أن يبدو هادئاً، يشدّ على كلماته حتى لا تنكسر، لكن صوته يرتجف رغماً عنه. دقائق من الأخذ والردّ، من الرجاء والشرح، ثم يخرجون بخطواتٍ أبطأ مما دخلوا.
نسأله ماذا حدث. يقول بمرارةٍ مكبوتة "عم يتمقطعوا فينا… قال روحوا على مدرسة تانية".

زوجته تحمل طفلاً نائماً على كتفها، رأسه يتدلى بثقل النوم والخوف معاً. ولدٌ صغير يمشي إلى جانبها، يشدّ طرف ثوبها ويسأل همساً: "وين رح ننام؟". لا جواب. فقط صمت ثقيل يمشي معهم، يبحث عن سيارة تقلّهم، أو عن باب لا يُغلق في وجوههم.

وفي مكان ما بين مركز امتلأ ومدرسة لم تُفتح بعد، يتكرّر السؤال نفسه، بلا صوت هذه المرّة: إلى متى سنبقى ننهض من فراشنا على صوت الحرب، ونعود إليه على وعد حرب أخرى؟