النبطية: مدينة خالية من السلاح تحت سلطة الجيش اللبناني

من يعتقد بعد سقوط تلة علي الطاهر بيد الإسرائيليين أن الحرب ستهدأ، وأن لبنان سيدخل حالة من "الستاتيكو"، واهم جدا. فسقوطها تطور متدحرج يُتوقع أن تنجم عنه سلسلة تطورات عسكرية وأمنية دراماتيكية ستلقي بثقلها على مصير عاصمة جبل عامل، أي النبطية، فضلا عن المنطقة المحيطة التي تشمل إقليم التفاح، وجبل الريحان وصولا إلى قضاء جزين.

وعلى الرغم من ضجيج "حزب الله" وماكينته الدعائية التي ما فتئت تتحامل على الشرعية محملة إياها مسؤولية الهجمات الإسرائيلية المكثفة، ولا سيما تلك التي سقط خلالها العديد من الضحايا من أبناء الجنوب العزيز مثل كفررمان، فإن المسؤولية الأولى تقع على عاتق الحزب نفسه الذي تورط وورط البلاد في حرب كارثية لا يزال اللبنانيون يدفعون أثمانها الباهظة، وخصوصا في الجنوب المثخن بالجراح العميقة. والمسؤولية تقع ثانيا على عاتق الرئيس نبيه بري الذي لم يقم بما ينبغي، بما يملكه من موقع بارز للجم هؤلاء المغامرين والتصدي لهذه الحالة الشاذة التابعة للأجندة الإيرانية في الإقليم.

كان على الرئيس بري ألا يكتفي بالصمت، ولا بمواقف حمّالة أوجه صبت في النهاية في مصلحة تجهيل هوية المسؤول عن الكارثة التي حلّت بلبنان منذ التورط في حرب إسناد غزة يوم 8 تشرين الأول/ أكتوبر 2023، ثم في حرب إسناد إيران والثأر لمقتل المرشد علي خامنئي. لقد شكلت استراتيجية الرئيس بري في التعامل مع شريكه في منظومة "الثنائي الشيعي" نقطة ضعف جعلت الحزب المغامر بمصير بيئته وسائر البيئات اللبنانية، يغرق أكثر يوما بعد يوم في المغامرة، إلى أن سقط قسم كبير من الجنوب تحت الاحتلال، وحلت كارثة تاريخيّة بالبيئة لن تقلل من عواقبها سرديات وأوهام يوزعها هذا الحزب وماكينته الدعائية. أما الطرف الثالث المسؤول عن الكارثة فهو الطرف الرمادي الذي بتجنب مخاطبة "حزب الله" بصراحة وحزم، مكتفيا بممارسة "رياضته المفضلة" بإدانة إسرائيل وتناسي الوجه الأخطر من المعادلة، أي سلوك إيران وممارسات ذراعه التي جرت لبنان إلى الواقع الذي يعانيه اليوم.

أما الطرف الرابع المسؤول فهو الشرعية اللبنانية التي تتجنب التعامل بما تمليه عليها المسؤولية الوطنية تجاه خمسة ملايين لبناني أو أكثر، غالبيتهم الساحقة رافضة لهذا الواقع. هذه الأكثرية تريد الدولة والقانون، وتنتظر حزما أكثر، بدلا من السلوك الحالي الذي يبدو أقرب إلى سياسة الوقوف موقف المتفرج، في انتظار أن تفرز المواجهة الراهنة غالبا ومغلوبا.

نحن لا نقلل من مسؤولية إسرائيل، لكننا نرفض أن تشكل مسؤوليتها عذرا لتجهيل المسؤولين عن الكارثة الحالية. وفي نهاية المطاف فإن التطورات المقبلة قد تكون أشدّ إيلاما مما سبق، ولا سيما إذا ما أوغل الجيش الإسرائيلي في استهداف مدينة النبطية في شكل منهجي. والنبطية العزيزة عاصمة جبل عامل تحتاج من الشرعية اللبنانية إلى قرار شجاع بدخولها اليوم قبل الغد، والسيطرة عليها بشكل حاسم وجعلها خالية من السلاح، لأن البديل سيكون تدمير الحاضرة الأولى في الجنوب. وستكون حقا نكبة!